الشَّيطان

حاذِروا الشَّيطانَ، فليسَ الشَّيطانُ كما رسَمتْهُ لنا مخيِّلةُ الطّفولةِ: مخلوقًا قبيحَ الهيئةِ، أسودَ الثّيابِ، أحمرَ العينينِ، له قرنانِ وذيلٌ ومِذراةٌ في يدِهِ!

تلك صورةٌ تصلُحُ للحكاياتِ، أمّا الشَّيطانُ الّذي ينبغي أنْ نحذَرَهُ حقًّا، فقد يكونُ أجملَ من أنْ يُخيفَكَ، وألطفَ من أنْ تشُكَّ فيهِ، وأذكى من أنْ يأتيكَ منَ البابِ الّذي تتوقّعُهُ.

قد يأتيكَ في هيئةِ نصيحةٍ، وفي ثوبِ الحُرِّيَّةِ، باسمِ الكرامةِ حينًا، وباسمِ الدِّينِ حينًا آخرَ، ومن نافذةِ الحقِّ المهدورِ.

وقد يتزيّنُ بأفخمِ الألوانِ، ويتحلّى بالذَّهبِ واللُّؤلؤِ والمرجانِ، ويجلسُ إلى مائدتِكَ، ويُقدّمُ لكَ من أطاييبِ الدُّنيا ما تشتهي، ثمّ يقولُ لكَ في هدوءٍ:

خُذْ نصيبَكَ… فقد حُرمتَ طويلًا.

تمرّدْ… فقد قيّدوكَ.

اشتهِ… فالحياةُ قصيرةٌ.

انتقمْ… فقد ظلموكَ.

ثمّ يَمنحُ كلَّ ذٰلك أسماءَ جميلةً:

ليستْ أنانيَّةً، بل حبًّا للذَّاتِ.

وليستْ قسوةً، بل قوَّةً.

وليستْ خيانةً، بل تحرّرًا من القيودِ.

وهنا تكمنُ خطورتُهُ.

فالشَّرُّ الصَّريحُ لا يحتاجُ إلى شيطانٍ، لأنَّ النَّاسَ ينفرونَ منهُ بطبعِهم، أمّا الشَّيطانُ البارعُ فلا يدعوكَ إلى الشَّرِّ باسمِهِ، بل يمنحُهُ فلسفةً جميلةً، ثمّ يُقدّمُهُ إليكَ باعتبارِهِ حقًّا أو حُرِّيَّةً أو ثورةً على القهرِ.

لقد عرفَ القرآنُ هٰذه الحيلةَ منذُ البدايةِ:

*وقُلْ ربِّ أعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطينِ*

فالوسوسةُ ليستْ دائمًا أمرًا صريحًا بالمعصيةِ، قد تكونُ فكرةً صغيرةً يضعُها في رأسِكَ، ثمّ يتركُكَ أنتَ لتبنيَ حولَها قصرًا من التَّبريراتِ.

يقولُ لكَ: لماذا تكونُ طيِّبًا مع من لم يكنْ طيِّبًا معكَ؟

ولماذا تسامحُ من أساءَ إليكَ؟

ولماذا لا تردُّ لهُ الصَّاعَ صاعينِ؟

ومن دونِ أنْ تشعُرَ، يتحوّلُ الجرحُ إلى مبدأ، والانتقامُ إلى عدالةٍ، والحقدُ إلى كرامةٍ، ويصبحُ الشَّرُّ الّذي كنتَ ترفضُهُ بالأمسِ جزءًا من شخصيَّتِكَ اليوم، وهٰذه إحدى أعظمِ ألاعيبِهِ: أنْ يجعلَكَ تُشبهُ مَن تكرهُهُ، ثمّ يُقنعَكَ أنَّكَ تُحاربُهُ.

فالشَّيطانُ لا يقولُ للظَّالمِ: كُنْ ظالمًا، بل يقولُ لهُ: أنتَ تُدافعُ عن حقِّكَ.

ولا يقولُ للحاقدِ: احقدْ، بل يقولُ: لا تَنسَ كرامتَكَ.

ولا يقولُ للأنانيِّ: لا تعبأْ بأحدٍ، بل يقولُ: لقد أهملتَ نفسَكَ طويلًا، وحانَ وقتُ أنْ تُحِبَّها.

ولا يقولُ للمتكبّرِ: احتقرِ النَّاسَ، بل يقولُ: أنتَ أفضلُ منهم، وهم لم يعرفوا قيمتَكَ بعدُ.

وهٰكذا يُصبحُ الإنسانُ أحيانًا أخطرَ على نفسِهِ من الشَّيطانِ، لأنَّ الشَّيطانَ لا يملكُ أنْ يُجبرَهُ، وإنّما يُزيّنُ لهُ.

لذٰلكَ جاءَ في القرآنِ:

*وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطانُ أعمالَهُمْ*

فالمشكلةُ ليستْ دائمًا في الفعلِ، بل في المرآةِ الّتي نرى فيها الفعلَ.

أنْ تفعلَ الشَّرَّ وأنتَ تعلمُ أنَّهُ شرٌّ، مُصيبةٌ، لٰكنْ أنْ تفعلَ الشَّرَّ وأنتَ مقتنعٌ أنَّكَ تفعلُ الخيرَ، فالمصيبةُ أكبرُ، لأنَّكَ عندها لا تُقاومُ خطأكَ، بل تُدافعُ عنهُ.

وقد يجدُ الشَّيطانُ في الفلسفةِ ما يجدُ في الجهلِ، فإذا اقتُطعتِ الأفكارُ من سياقاتِها، وحُوِّلتْ إلى أدواتٍ لتبريرِ الأهواءِ، أمكنَ لفكرةِ التّحرّرِ من القيودِ أنْ تصبحَ ذريعةً لسحقِ الضَّعيفِ.

وقد تستعيرُ من “نيتشه” مفرداتٍ عن تجاوزِ القيمِ السَّائدةِ، فتنسى أنَّ الفلسفةَ ليستْ دفترَ شيكاتٍ مفتوحًا لنزواتِ الإنسانِ، وأنَّ قراءةَ فيلسوفٍ ليستْ تصريحًا بارتكابِ ما نشتهي.

فالشَّيطانُ لا يخافُ من الكتبِ بقدرِ ما يخافُ من الضَّميرِ الّذي يقرأُها، إذ يستطيعُ أنْ يُحوّلَ حتّى أرقى الأفكارِ إلى سلاحٍ في يدِ الغرورِ.

وهنا ينبغي أن نفرّقَ بينَ الحُرِّيَّةِ والانفلاتِ.

فالحُرِّيَّةُ أنْ تستطيعَ فعلَ الشَّرِّ ثمّ تختارَ ألّا تفعلَهُ، أمّا أنْ تعتقدَ أنَّكَ حُرٌّ في فعلِ ما تشاءُ، فأنتَ لم تتحرّرْ من شيءٍ، بل أصبحتَ عبدًا لأشدِّ الأشياءِ بدائيَّةً فيكَ: شهوتِكَ، غضبِكَ، وغرورِكَ.

إنْ للشَّيطانِ حيلةً أخرى أكثرَ دهاءً: أنْ يستعملَ حقَّكَ ليقودَكَ إلى باطلٍ.

قد تكونُ مظلومًا، وحقُّكَ مسلوبًا، والآخرُ مُخطئًا في حقِّكَ، لٰكنْ مَن قالَ إنَّ مظلمتَكَ تمنحُكَ رخصةً لظلمِ غيرِكَ؟

وأنَّ جرحَكَ يُبيحُ لكَ أن تجرحَ؟

وأنَّ الدِّفاعَ عن نفسِكَ يعني أن تتحوّلَ إلى النُّسخةِ الّتي كنتَ تشكو منها؟

هنا يظهرُ معدنُ الإنسانِ.

فليسَ الامتحانُ الحقيقيُّ أنْ تكونَ رحيمًا مع مَن أحسنَ إليكَ، فذٰلكَ سهلٌ، إنَّما الامتحانُ أنْ تستطيعَ إيذاءَ مَن آذاكَ، ثمّ تختارَ ألّا تفعلَ، وأنْ تملكَ القدرةَ على الانتقامِ، ولا تجعلَ قدرتَكَ ذريعةً للظُّلمِ، وأن لا ترفعَ سلاحَكَ في وجهِ أخيكَ الإنسانِ، لأنَّكَ لا تريدُ أنْ تربحَ معركةً وتخسرَ إنسانيَّتَكَ.

إنَّ الشَّيطانَ يُحبُّ المناطقَ الرَّماديَّةَ، حيثُ لا يكونُ الشَّرُّ شرًّا كاملًا، ولا الخيرُ خيرًا كاملًا.

هناك، في المسافةِ بينَ “أستحقُّ” و”أطمعُ”، وبينَ “أدافعُ عن حقِّي” و”أنتقمُ”، وبينَ “أحبُّ نفسي” و”لا أحبُّ إلّا نفسي”، وبينَ “أحفظُ كرامتي” وأهينُ الآخرينَ”، ينسجُ خيوطَهُ.

لذٰلكَ فإنَّ أخطرَ ما في الوسوسةِ أنَّها لا تأتيكَ دائمًا بما تكرهُ، بل بما تحبُّ، إنَّها تعرفُ موضعَ ضعفِكَ.

فإن كنتَ محبًّا للمالِ، جاءكَ من بابِ المالِ. وإن كنتَ محبًّا للسُّلطةِ، جاءكَ من بابِ السُّلطةِ. وإن كنتَ محبًّا للمدحِ، جاءكَ من بابِ الغرورِ. وإن كنتَ محبًّا للحُرِّيَّةِ، جاءكَ من بابِ الانفلاتِ. وإن كنتَ شديدَ الاعتدادِ بمظلوميتِكَ، جاءكَ من بابِ الانتقامِ.

فالشَّيطانُ لا يزرعُ في أرضِكَ شجرةً غريبةً، إنَّهُ يسقي الشَّجرةَ الّتي زرعتَها أنتَ في داخلِكَ، حتّى تكبرَ، ثمّ تختنقَ تحتَ ظلِّها.

وقد صدقَ القرآنُ حين قال:

*لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ*

إنَّها ليستْ دعوةً إلى الشَّرِّ، بل إلى التَّزيينِ:

أن يصبحَ القُبحُ جميلًا، والأنانيَّةُ حقًّا، والانتقامُ عدالةً، والكبرياءُ عِزَّةً، والقسوةُ حَزمًا، والخيانةُ حُرِّيَّةً، والظُّلمُ دفاعًا عن النَّفسِ.

فقد لا يغيّرُ الشَّيطانُ الفعلَ، يكفيهِ أن يغيّرَ نيَّتَكَ ونظرتَكَ إليهِ.

فَلْنراجعْ أنفُسَنا:

هل نحن نبحثُ عنِ الحقِّ، أم عنْ مُبرِّرٍ لِرَغبتِنا؟

عايدة قزحيّا

من “مقالاتي”

رفعت للتصميم