قراءة في فيوضات الرحلة الروحية وتجليات الانعطاف الوجداني في قصيدة (غداً)

للشاعرة /آمنة محمد علي الأوجلي .

بقلم الناقد والأديب: الأستاذ عباس الجبوري.

 

“غَداً”

غَداً حِينَمَا أَمُوتُ وَتَزْحَفُ العَنَاكِبُ

عَلَى صَدْرِ أَوْرَاقِي،

أَرْفُفُ كُتُبِي بَيْضَاءُ كَمَا الكَفَنْ..

 

أَبْكِينِي كَهِنْدَبَاءٍ..

حَفْنَةُ رِمَالٍ بَيْنَ أَصَابِعِ الرِّيحْ،

فِي صَحْرَاءِ انْتِظَارِي،

وَالمُنَى دُعَاءٌ مُعَلَّقٌ بِمَشِيئَةِ السَّمَاءِ

تَلَوْتُهُ بِقَلْبٍ شَكُورْ..

 

وَالوَطَنُ مَضْفُورٌ بِنَزْغِي.. بِحَبَّاتِ العَرَقْ،

أَبْكِينِي فَرَحاً مَسْرُوقاً،

وَخَيْبَاتٍ عَلَى مَذْبَحِ أَطْمَاعِهِمُ المَوْرُوثَة..

 

فَارِغٌ صُنْدُوقِي إِلَّا مِنْ حَفْنَةِ أَوْرَاقْ،

حُرُوفٌ تَشْتَعِلُ كَأَجْرَاسِ زَنْبَقْ،

إِكْلِيلُ أَحْلَامٍ سَقَطْ،

وَرُكَامُ عَوَاطِفَ مُتَشَظِّيَة..

 

نُغَنِّي فَوْقَ ضِفَافِ الصَّبْرِ،

نُلَمْلِمُ أُمْنِيَاتِنَا فَطَائِرَ حُبٍّ،

دَرَاوِيشُ نَحَتْنَا بِأَرْوَاحِنَا فَوْقَ جِدَارِ الوُجُودِ صَلَاة..

 

أَنَا سَلِيلَةُ الطَّبْشُورِ..

الَّتِي مَحَتْ غُبَارَ الجَهْلِ عَنِ المَدَى،

لِتَكْتُبَ بِيَدٍ مُرْتَعِشَةٍ مِنَ الوَجْدِ: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ”،

مَلَأْنَا بِأَيْدِينَا سِلَالاً مِنْ رِضَاً،

كَتُوّابِينَ تَلَوْنَا تَضَرُّعَنَا..

ابْتِهَالاتٍ مَغْزُولَةً بِيَقِينٍ يَمْحُو الوَجَعْ،

يَمَّمْنَا وُجُوهَنَا شَطْرَ غَفُورٍ رَحِيمٍ،

وَنَفَضْنَا عَنْ أَكُفِّنَا غُبَارَ الفَنَاءِ..

 

أَيَا حَفِيدَتِي..

لأَجْلِ عَيْنَيْكِ، لأَجْلِ خُطَايَ الوَاهِنَاتِ المِهْتَرِئَاتِ

فِي تُرَابِهَا المُعَتَّقِ فِينَا وَإِنْ طَالَ الأَمَلْ،

لِلرَّجَاءِ المَطْمُورِ بَيْنَ غَضَارِيفِ الزَّمَنْ،

لِضَحْكَتِكِ تُدْفِئُ زَمْهَرِيرَ الرِّيحِ..

مَشَاتِلَ وَرْدٍ.. وَبَنَفْسَجَاتْ.

 

آمنة محمد علي الأوجلي.

بنغازي/ليبيا.

 

تغيرت تجربة الشاعرة آمنه محمد علي الأوجلي ، عمقاً وصفاءً ، بعد أداء مناسك الحج أو الوقوف بالرحاب الطاهرة في مدينة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)؛ في انجاز قصيدة ( غداً ) ، إذ لم تعد الكلمة مجرد صياغة لغوية، وإنما تحولت إلى وفاض من فيوضات الرحلة الروحية، وتجليّات الانعطاف الوجداني الذي تركه الموقف في نفسها .

نعم ،تنبع هذه الروح الإيمانية في شعر “ما بعد الزيارة والحج” من معانٍ متداخلة تشكل البناء الشعوري للقصيدة في

مظاهر الروح الإيمانية الشعرية من خلال التطهر والولادة الجديدة والانعطاف الروحي .

يستشعر الشاعر أنه خلع عنه أوزار الماضي مع خلع ثياب الإحرام، فيكتب بنبرة المغسول بنور المغفرة. هكذا تتجلى شعرية آمنه في حالة من التسامي عن الصغائر، والشعور بالبراءة والإشراق، وكأنها تكتب بلسان قلب ولد للتو (“كيوم ولدتها أمها”).

 

نص الشاعرة الصديقة آمنة محمد علي الأوجلي هو مرثية ذاتية محبوكة بأسلوب شعري وجداني يجمع بين التأمل الفلسفي للموت والاحتفاء بالرسالة الإنسانية والتربوية ..

النص ينتقل بين ظلمة الغياب ونور العطاء واليقين .

العناصر الفنية والموضوعية للنص ،صورة الغياب والرحيل (الموت والأثر):

تفتتح الشاعرة قصيدتها بلحظة الموت الرحبة، حيث تنقل حالة الهجر والنسيان عبر صور حسية مكثفة ((تزحف العناكب، أرفف كتبي بيضاء كما الكفن)). الموت هنا ليس انقطاع للحياة، هو توقف لعملية الكتابة والقراءة، وحول الأوراق إلى ساحة مهجورة.

البكاء على الذات والغربة،

تشبه نفسها بـ الهندباء وسلالات الرمال العابرة في الريح، لتجسيد الهشاشة وضياع الأمان في صحراء الانتظار.

هناك مزيج من الشجن الذاتي والوجع الجماعي ((الوطن مضفور بنزغي، خيبات على مذبح أطماعهم))، مما يربط ألم الشاعرة الفردي بوجع الوطن والواقع السياسي والاجتماعي .

 

صندوق الذات وتركة المعنى:

تركة الشاعرة “آمنه” بعد الرحيل ليست ماديات، تقصد “حفنة أوراق” وحروف تتوهج كأجراس الزنبق .. الصندوق الفارغ إلا من الأوراق والذكريات والمشاعر المتشظية يعكس زهد الشاعرة ويُعلي من قيمة الكلمة كأثر متبقٍّ بعد الفناء .

 

الهوية والرسالة التربوية (سليلة الطبشور):

تصل القصيدة إلى ذروتها حين تُعرّف الشاعرة هويتها الحقيقية: “أنا سليلة الطبشور”. تحول المعلمة هنا فعل التعليم إلى رسالة نورانية ومقدسة محت غبار الجهل، لتتوج هذا العطاء بعبارة قرآنية يملؤها اليقين ((اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)).

 

البعد الروحي والصوفي في القصيدة :

يتجلى البعد الصوفي في مفردات مثل (دراويش، التوابين، ابتهالات، يممنا وجوهنا). هناك حالة من التسليم والتطهر من “غبار الفناء” عبر الرضا والرجاء في رحمة الغفور الرحيم.

الأمل والاستمرار (الخطاب للحفيدة):

ختام القصيدة ينقل البؤرة من الماضي والرحيل إلى المستقبل والتدفق .. التوجه إلى “الحفيدة” هو استدعاء للأمل والأنوثة المتجددة . ضحكة الحفيدة هي الإكسير الذي يدفع زمهرير الريح ليتحول التراب والوهن إلى مشاتل ورد وبنفسجات.

البناء اللغوي والإيقاعي

المفارقات والتقابلات:

توازن الشاعرة بين الموت والبعث، الجهل والنور، الكفن والورد، الرمال والمشاتل .

 

الرمزية الحسية: استخدام الألوان (أرفف بيضاء، غبار، بنفسج) والروائح والملمس ينقل تجربة شعورية حية وقريبة من وجدان القارئ .

قصيدة ( غداً ) ناضجة تختزل رحلة عمر بين المعاناة والعطاء، وتُغلق دائرة الوجود لا بالفناء، بل بالأمل المورق في عينَي الحفيدة … انه قلم وحرف يصنعان لوحة بإتقان .

 

د.عباس الجبوري.

رفعت للتصميم