مُعَلَّقَةُ النَّسْفِ الكَامِلَة

مُعَلَّقَةُ النَّسْفِ الكَامِلَة

تُكتب بالدم… وتُقرأ بالرماد

 

أَيُّهَا السَّاكِنُ فِيَّ قَبْلَ أَنْ أَكُونَ… وَالبَاقِي بَعْدَ أَنْ أَفْنَى

كَيْفَ أُسَمِّيكَ؟ وَالاسْمُ قَفَصٌ… وَأَنْتَ الإِطْلاقُ؟

كَيْفَ أُنَادِيكَ؟ وَالنِّدَاءُ بُعْدٌ… وَأَنْتَ القُرْبُ المُطْلَقُ؟

 

أُهَاجِرُ إِلَيْكَ بِرُوحِي

لا كَمُهَاجِرٍ… بَلْ كَعَائِدٍ مِنْ مَنْفَاهُ إِلَى وَطَنِهِ

مِثْلَ نُورَسٍ كُلَّمَا ابْتَعَدَ… مَاتَ فِي البُعْدِ وَعَادَ لِيُدْفَنَ فِي دِيَارِهِ

فَمَا خُلِقْتُ لِلرَّحِيلِ عَنْكَ… بَلْ خُلِقْتُ لِأَكُونَ تُرَابَ عَتَبَتِكَ

 

وَأَنْتَ تُقِيمُ هُنَا  فِي قَلْبِي لا فِي المَنْزِلِ

فَالقَلْبُ لَيْسَ مَضْخَةً… القَلْبُ مِحْرَابٌ… وَأَنْتَ إِمَامُهُ

مُعَلَّقَةٌ أَنَا فِي هَوَاكَ

كَمُصْلُوبَةٍ عَلَى خَشَبَةِ العِشْقِ… تَنْزِفُ حُبًّا

وَبَعْدَكَ كُلُّ كَلَامٍ فِي الحُبِّ… جِنَازَةٌ… وَكُلُّ الشِّعْرِ رِثَاءٌ

 

طُوفَانُ حُبِّكَ اجْتَاحَنِي

لَيْسَ مَاءً… بَلْ “كُنْ” خَلَقَتْنِي مِنْ جَدِيدٍ

نَهْرٌ فِي عُرُوقِي… وَيَنْبُوعٌ فِي دَمْعِي… وَجَدْوَلٌ فِي أَنْفَاسِي

يَسْقِي فُؤَادِي مِنْ حَنَانِكَ… فَتُزْهِرُ جِرَاحِي

وَيَتْرُكُنِي بِأَطْيَافِكَ… أُصَلِّي صَلَاةَ الغَائِبِ… وَأَنْتَ الحَاضِرُ

 

كُلُّ الجِهَاتِ كَذَبَتْ عَلَيَّ وَقَالَتْ “هُنَا”

فَضِعْتُ… حَتَّى عَلِمْتُ أَنَّ “هُنَا” هِيَ أَنْتَ

وَكُلُّ الطُّرُقِ إِنْ أَضَاعَتْنِي… كَانَتْ تَجُرُّنِي إِلَيْكَ بِسَلَاسِلِ القَدَرِ

لِأَنَّ النِّهَايَةَ وَاحِدَةً: “إِلَيْهِ”

 

أَنْتَ الَّذِي إِنْ غِبْتَ عَنِ العَيْنِ

انْطَفَأَ النُّورُ… وَبَقِيَ طَيْفُكَ هُوَ الشَّمْسُ الوَحِيدَةُ

وَفِي زِحَامِ العُمْرِ… لَا أَبْحَثُ عَنْكَ

أَنَا أَتَفَكَّكُ ذَرَّةً ذَرَّةً… لِأُعِيدَ تَرْكِيبِي فِيكَ

 

بَكَيْتُكَ فِي سُجُودِي… فَابْتَلَّتِ الأَرْضُ

وَنَاجَيْتُكَ فِي مَوْتِي… فَرَدَّ القَبْرُ: “ارْحَلِي… مَكَانُكِ لَيْسَ هُنَا”

فَلَا وَطَنٌ لِي غَيْرَ قَلْبِكَ… وَإِنْ كَانَ جَحِيمًا

وَلَا نَبْضٌ بِي غَيْرُ اسْمِكَ… وَإِنْ قَتَلَنِي

 

أَنْتَ الحِكَايَةُ المَكْتُوبَةُ بِالشَّرَايِينِ

أَنْتَ أَوَّلُ فَصْلٍ… كُنْتَ

وَأَنْتَ آخِرُ فَصْلٍ… سَأَكُونُ

وَمَا بَيْنَهُمَا… أَنَا… صَفْحَةٌ بَيْضَاءُ تَنْتَظِرُ حِبْرَكَ

 

لَوْ نَادَى المُنَادِي: “هَذِهِ الجَنَّةُ”

لَصَرَخْتُ: “أَيْنَ هُوَ؟”

فَإِنْ قَالُوا: “فِي الجَحِيمِ”

لَقُلْتُ: “خُذُوا جَنَّتَكُمْ… وَارْمُونِي فِي نَارِهِ”

فَنَارُهُ رِضْوَانٌ… وَجَنَّتُهُ بِدُونِهِ نِيرَانٌ

 

فَعُدْ…

لا لِتُحْيِيَنِي… بَلْ لِتُثْبِتَ أَنِّي لَمْ أَمُتْ إِلَّا فِيكَ

وَإِنْ سَبَقَنِي الأَجَلُ…

فَلَا تَدْفِنُونِي

عَلِّقُونِي عَلَى بَابِكَ… كَمُعَلَّقَةٍ

وَاذْرُوا بَقَايَايَ فِي الرِّيحِ… لِأَعُودَ إِلَيْكَ غُبَارًا

كَمَا بَدَأَ الكَوْنُ أَوَّلَ مَرَّةٍ… غُبَارًا… ثُمَّ كَانَ

 

 

الخَاتِمَة النَّاسِفَة

بقلم الأستاذ / فضيل حاج بن عدة

ناسف الأبجدية نسفاً… وحافر الأسماء في الحجر

من جعل من الحرف سيفاً… ومن النقطة بحراً… ومن السطر قبراً

2026 – عام الذوبان

رفعت للتصميم