“الجهة الخامسة”  

ثمة جهة لا تشير إليها الخرائط، ولا تهتدي إليها البوصلات. لا تقع شرقًا ولا غربًا، ولا يعبر إليها المسافر بخطوة، بل بانكشافٍ خفيّ يصيب القلب حين يتعب من النظر بعينٍ واحدة.

 

هناك، تتبدّل هيئة الأشياء من غير أن تتبدّل حقيقتها؛ يغدو الضوء أكثر حنانًا، والظل أقل صمتًا، ويصبح العابر في الطريق سيرةً كاملة لا وجهًا عابرًا.

 

كأن العالم لم يكن يومًا أقل جمالًا، وإنما كانت الروح مثقلة بما يكفي لتفلت من بين يديها معجزته اليومية.

 

وما إن يمرّ فيها ذلك الارتجاف الهادئ الذي يسمّيه الناس حبًا، حتى تتساقط عنها طبقات الألفة، فتولد من جديد؛ لا بعينين جديدتين، بل ببصيرةٍ لم تكن تعرف أنها تسكنها.

 

ليس الحب أن يضيف إلى الحياة وجهًا واحدًا، بل أن يحرّر الوجوه كلها من غبار الاعتياد.

 

فمن أحب، لم يعد يرى الشجرة خشبًا وأوراقًا، بل صبرًا أخضر يعلّم الريح كيف ترقص دون أن تنكسر. ولم يعد يسمع المطر ماءً يهبط من السماء، بل رسالةً تعود إلى الأرض بعد طول غياب.

 

وحتى الوجوه المتعبة، التي كانت تمرّ في زحام الأيام بلا أثر، تصير مرايا خفية يرى فيها هشاشته ورحمته معًا.

 

عندها لا يتغيّر العالم، وإنما يتغيّر موضع الإنسان فيه؛ فيكفّ عن الوقوف خارجه متفرجًا، ويصبح جزءًا من نبضه، كأن قلبه اتسع حتى صار بيتًا صغيرًا لما حوله.

 

ولعل أكثر ما يحيّر في هذا الجنون الجميل أنه لا ينتزع الإنسان من الحقيقة، بل يزيل عنها ما تراكم من غبار العادة.

 

ففي اللحظة التي يظن فيها أنه فقد اتزانه، يكون قد أفلت من اتزانٍ بارد صنعته الحسابات الضيقة.

 

هناك يكتشف أن العقل يستطيع أن يعدّ النجوم، لكنه يعجز وحده عن أن يشعر بضيائها؛ وأن المعرفة التي لا تمسّها المحبة تُحصي الأشياء بدقة، لكنها تترك معناها يتسرّب في صمت.

 

وما كان يبدو مألوفًا بالأمس، ينهض فجأةً كأنه يُرى للمرة الأولى؛ لا لأن العالم تبدّل، بل لأن الحجاب الذي كان يحجبه قد انزاح.

 

لهذا لا يشبه الحب بابًا يُفتح، بل يشبه انفتاح الكائن على نفسه. ومن تلك الجهة الخامسة، التي لا يصل إليها إلا من خفّ قلبه من يقيناته الثقيلة، يبدو النقص أقل قسوة، والغياب أقل وحشة، والأيام أكثر قدرة على حمل الضوء.

 

وهناك، دون أن يعلن العالم عن معجزة جديدة، يمضي الإنسان في طريقه كما لو أنه يراه لأول مرة… وكأن الجمال لم يكن ينتظر إلا لحظة انكشافه.

 

د.راوية عبدالله

 

رفعت للتصميم