
شاشة الزمن المنسي
ليست كل الشاشات تُضيء، فبعضها يطفئ ما تبقى من الذاكرة، وبعضها الآخر يعيد إلينا وجوهًا ظننا أن الزمن قد أخفاها إلى الأبد.
وبين شاشةٍ تحفظ ملامح الأمس، وأخرى تسرق دهشة اليوم، بقيت حكاية بيت عربي أصيل تقاوم النسيان.
هذه ليست حكاية بيتٍ من حجر، بل حكاية وطنٍ سكن القلوب قبل أن تسكنه الخرائط، وحكاية إنسانٍ تعلّم أن الجذور لا تُقاس بما بقي فوق الأرض، بل بما ظل حيًّا في الأعماق.
فكلما عبرت السنون، وأثقلت الحروب الذاكرة، بقيت هناك شاشة لا تنطفئ…
شاشة الزمن، التي لا تعرض الصور فحسب، بل تكشف حقيقة الإنسان حين يقف بين ما ورثه وما اختاره، وبين وطنٍ غادره بجسده، ووطنٍ لم يغادره قلبه)
كان البيت العربي لا يُبنى بالحجارة وحدها، بل كانت جدرانه تُشيَّد من دعوات الأمهات، ومن تعب الآباء، ومن ظلال الأشجار التي حفظت ذاكرة الأرض أكثر مما حفظته الكتب.
هناك،عند العتبة التي تعانقها عرائش العنب، كانت شجرة اللارنج تفتح صباحاتها بعطر لا يعرف الحدود، ويقف الصنوبر شامخًا كشيخ قبيلة لا تنحني هامته للريح، فيما كانت شجرة التين تمد أغصانها كأنها ذراع أمٍّ لا تعرف سوى الاحتواء.
كان التراب عربيًّا، وكانت الأرض تنبض بلغتها الأولى، لغة السلام التي عاشها أهلها قبل أن تتكاثر أسماء الحروب.
في ذلك البيت لم يكن الصباح يبدأ بضياء الشمس، بل بقبلة يد الجد والجدة، وبابتسامة الطفل وهو يتعلم أن احترام الكبير ليس عادة، بل هو امتداد لاحترام نفسه.
كانت رائحة خبز التنور تتسلل من بين الأزقة، فتعلن أن النهار قد وُلد، ويخرج الجيران يتبادلون الصباح كما يتبادلون الخبز والملح والدعاء. لم يكن أحد يفرح وحده، فالفرح كان يجد طريقه إلى كل البيوت، ولم يكن الحزن يعرف بابًا واحدًا، بل كان يعم القلوب جميعًا حتى يصبح وجع الواحد مسؤولية الجميع.
كبرت الأيام كما تكبر الأشجار، وتشبعت الأرواح بتلك العلاقات التي كانت تشبه جذور الزيتون ،كلما غاصت في الأرض ازدادت ثباتًا.
ثم جاءت الشاشة الملونة، صغيرة في حجمها، عظيمة في أثرها، فدخلت البيوت ضيفة، وما لبثت أن أصبحت صاحبة المجلس.
شيئًا فشيئًا، انشغل كل قلب بمرآته الخاصة، وتحول البيت الواحد إلى بيوت متجاورة لا تسمع بعضها، وتمزقت وحدة النسب بين أيدٍ ما زالت تتصافح، لكنها لم تعد تلتقي. أصبح الحديث كثيرًا، أما الإصغاء فصار غريبًا يبحث عن مكان يجلس فيه.
ومرت الأزمات، تجر خلفها مواسم من الخوف، ثم جاءت الحروب، لا تحمل البنادق وحدها، بل تحمل معها امتحان الإنسان.
كانت الحدود تُرسم على الخرائط، لكنها قبل ذلك رُسمت داخل القلوب.
سقطت حجارة كثيرة، واحترقت بيوت، وتبدلت أسماء المدن، لكن الجد والجدة بقيا في مكانهما، كما تبقى ساعة قديمة معلقة على جدار الزمن، ترفض أن تتوقف لأن أحدًا قرر أن الوقت قد تغير.
كان جرنهما الحجري، الممتلئ بماء البحيرة، ينتظر العابرين كما اعتاد منذ عشرات السنين، وكانت مطرقة الهيل تقرع كل صباح، فتعلن أن بيت الضيافة ما زال مفتوحًا، وأن القهوة العربية لا تزال تعرف طريق الكرم، مهما أغلقت الدنيا أبوابها.
كانت تلك الأصوات تقول بصمتها إن الحضارات لا تحفظها المتاحف، بل تحفظها البيوت التي لم تنس كيف تستقبل ضيفها وكيف تكرم غريبها.
رحل الأبناء، وكبر الأحفاد في أوطان متفرقة، وتعلموا لغات كثيرة، وحفظوا أسماء شوارع لا تشبه الأزقة التي ولد فيها آباؤهم.
عبروا معابر وحدودًا، وحملوا جوازات مختلفة، لكن سؤالًا واحدًا ظل يسكنهم جميعًا: أين ذلك الركن الذي تركناه في أول العمر؟
أين العتبة التي كانت تعرف وقع أقدامنا قبل أن نكبر؟
في تلك الرحلة الطويلة ظهرت المعادن الحقيقية.
لم تعد الألوان تميز الناس، ولا الشعارات تكشف صدقهم، بل المواقف وحدها كانت المرآة.
هناك من باع ذاكرته مقابل بريق عابر، وهناك من ظن أن كثرة الطرق تعني الوصول، وهناك من تبدلت مواسم روحه حتى لم يعد يعرف لأي أرض ينتمي. لكن آخرين ظلوا يحملون الوطن في أخلاقهم قبل أن يحملوه في وثائقهم، لأنهم أدركوا أن الإنسان قد يغادر أرضه، لكنه إن غادر قيمه أصبح بلا وطن، ولو عاش في كل أوطان الأرض.
وكان من بينهم ابن طال غيابه.
عاد بعد أعوام ثقيلة، عبر حدودًا كثيرة، وطرق أبوابًا لا تحفظ اسمه، حتى وصل إلى الطريق الذي عرفته قدماه طفلًا.
لم يبحث عن الأبنية الجديدة، ولا عن المراكز التجارية، ولا عن الماركات التي غزت الشوارع، بل كان يبحث عن حجر واحد بقي شاهدًا على البداية. وحين وقف أمام البيت، وجد أن الزمن قد غير الواجهات، وأن الطرق لم تعد كما كانت، وأن الأحجار تبدلت، وأن الأنساب اختلطت بضجيج الحياة، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.
كان المفتاح الإرثي ما يزال يفتح الباب ذاته.
أدرك حينها أن الأبواب لا تفتحها المفاتيح وحدها، بل تفتحها القلوب التي استوعبت دروس العمر.
دخل البيت، فشعر أن الجدران تعرفه أكثر مما يعرف نفسه، وأن رائحة اللارنج ما زالت تختبئ في الزوايا، وأن صدى ضحكات الأجداد لم يغب، بل كان ينتظر من يعود ليستمع إليه.
نظر إلى الشاشة الحديثة التي ملأت العالم، ثم تذكر الشاشة البيضاء والسوداء التي جمعت الأسرة ذات مساء حول حكاية واحدة، وضحكة واحدة، ودمعة واحدة. فهم أن التطور لا يكون في تبديل الأدوات، بل في المحافظة على الإنسان وهو يستخدمها.
وأن التقنية حين تدخل بلا أخلاق، تتحول إلى معبر يعبر منه الفراغ إلى البيوت، أما إذا دخلت وهي تحمل قيم البيت، فإنها تصبح وسيلة لا سيدًا.
خرج إلى الحديقة، فلم يجد إلا آخر شجرة بقيت واقفة بعد أن دمرت الأحجار كل ما حولها.
كانت وحيدة، لكنها لم تكن مهزومة. اقترب منها، ووضع يده على جذعها، وكأنه يصافح تاريخًا كاملًا.
همست له بصمتها أن من اقتلع الحجر ظن أنه اقتلع الأصل، ولم يعلم أن الجذور لا تعيش فوق الأرض، بل في أعماقها.
وأن الأصل لا يتغير، مهما تبدلت الفصول، ومهما كثرت الخرائط، ومهما تغيرت أسماء الأوطان.
هناك فقط فهم أن الوطن ليس رقعة تراب فحسب، بل هو الإنسان حين يبقى وفيًّا لقيمه.
وأن الأمة لا تنهض بعدد ما تبني من أبراج، بل بعدد القلوب التي لا تفرط في إرثها الأخلاقي.
وأن التاريخ لا يكتبه المنتصرون في الحروب وحدهم، بل يكتبه أيضًا أولئك الذين انتصروا على أنفسهم، فحفظوا الأمانة حين ضاعت، وصانوا العهد حين نسيه الجميع.
وحين غابت الشمس، انحنى يقبل تراب الأرض كما كان يقبل يد جده في طفولته، وشعر أن الجسد كله يذوب في تاريخ طويل، بينما الروح تكتب موعدًا جديدًا مع الحياة. موعدًا لا يعرف الانتقام، بل يعرف الوفاء. لا يبنى على أنقاض الكراهية، بل على جذور المحبة.
موعدًا يخبر الأجيال أن من هدمت الحجارة بيته، لا تستطيع أن تهدم أصله، وأن من حمل الوطن في قلبه سيظل يجد طريق العودة، ولو ضل العالم كله.
وهكذا بقي البيت واقفًا، لا لأنه أقدم البيوت، بل لأنه كان آخر شاهد على حقيقة لا يغيّرها الزمن: أن الإنسان بلا قيم عابر طريق، وأن الوطن بلا إنسان أصيل مجرد مكان، أما إذا اجتمع الإنسان الأصيل مع وطنه، فإن التاريخ كله يقف احترامًا لذلك اللقاء، وتولد من عمق الوجع أمة تعرف أن الجذور لا تموت، وأن القلب التقي، مهما أثقلته الحروب، يخرج في النهاية منتصرًا، لأن الله جعل للأرض ذاكرة، وللحق موعدًا، وللأوطان أبناءً يعودون إليها كلما ضاقت بهم الدنيا، ليبدؤوا الحكاية من جديد.
الروائية السورية هيفاء البريجاوي











