
شكوى الغابة
في ليلةٍ ساكنة، حين هدأت الرياح ونامت الطيور، رفعت الغابة أغصانها اليابسة نحو السماء وقالت:
“يا رب، أأشكو إليك من أعدائي أم من أبنائي؟”
ساد الصمت، وكأن النجوم كلها أنصتت.
قالت الغابة: “كنتُ أظن أن الفأس عدوي الوحيد، فإذا بالإهمال أشدُّ فتكًا، وإذا بالطمع أوسعُ نارًا. يأتي بعضهم يحمل لافتةً كُتب عليها: حافظوا على البيئة، ثم يطويها في جيبه ليُشعل بها أول حريق. ويغرس آخر شجرةً أمام عدسة الكاميرا، ثم يقتلع غابةً كاملةً بعيدًا عن العدسات.”
وتنهدت طويلًا، ثم تابعت:
“أما اللصوص، فقد صاروا أكثر تهذيبًا؛ لم يعودوا يسرقون في الظلام، بل ينهبون ثرواتي في وضح النهار، ويبتسمون وهم يسمون ذلك استثمارًا.”
مرَّ حطاب يحمل فأسه على كتفه، فاستظلَّ بشجرة عظيمة قبل أن يهوى عليها ضربًا. ابتسمت الغابة في مرارة وقالت:
“أنظر يا رب… حتى الذي جاء ليقتلني، لم يجد غير ظلي ليستريح فيه.”
ثم مرَّ رجل أشعل نارًا في أطرافها، ولما اشتد الدخان، أخذ يلهث باحثًا عن نسمة هواء. ضحكت الغابة ضحكةً حزينة وقالت:
“وأنا… ما زلت أرسل إليه الهواء الذي يحاول أن يخنقه بدخانه.”
وسكتت لحظة، ثم قالت بصوت خافت:
“أطعمهم ثمري، وأسقيهم مائي، وأهديهم خشبي ليدفئهم، وأمنحهم الهواء ليحيوا… وهم لا يكفون عن التفكير في أفضل طريقة لإنهائي.”
ظلَّ الليل صامتًا، حتى سقطت ورقةٌ صفراء عند جذع شجرة عجوز.
قالت الورقة قبل أن تلامس التراب:
“لا أخاف أن أموت… أخاف أن يأتي يوم يبحث فيه الإنسان عن ظلٍّ فلا يجد، وعن عصفورٍ فلا يسمع، وعن غيمةٍ فلا يرى.”
عندها هبَّ نسيمٌ خفيف، وكأن السماء قد سمعت شكوى الغابة.
أما الإنسان… فكان في تلك اللحظة منهمكًا في رسم لافتة جديدة كتب عليها بخطٍّ عريض:
“لنحافظ على الغابات.”
ثم بحث عن أقرب شجرة… ليعلّق عليها اللافتة بمسمار.
بقلم الاستاذ؛ فاروق بوتمجت (الجزائر)شكوى الغابة
في ليلةٍ ساكنة، حين هدأت الرياح ونامت الطيور، رفعت الغابة أغصانها اليابسة نحو السماء وقالت:
“يا رب، أأشكو إليك من أعدائي أم من أبنائي؟”
ساد الصمت، وكأن النجوم كلها أنصتت.
قالت الغابة: “كنتُ أظن أن الفأس عدوي الوحيد، فإذا بالإهمال أشدُّ فتكًا، وإذا بالطمع أوسعُ نارًا. يأتي بعضهم يحمل لافتةً كُتب عليها: حافظوا على البيئة، ثم يطويها في جيبه ليُشعل بها أول حريق. ويغرس آخر شجرةً أمام عدسة الكاميرا، ثم يقتلع غابةً كاملةً بعيدًا عن العدسات.”
وتنهدت طويلًا، ثم تابعت:
“أما اللصوص، فقد صاروا أكثر تهذيبًا؛ لم يعودوا يسرقون في الظلام، بل ينهبون ثرواتي في وضح النهار، ويبتسمون وهم يسمون ذلك استثمارًا.”
مرَّ حطاب يحمل فأسه على كتفه، فاستظلَّ بشجرة عظيمة قبل أن يهوى عليها ضربًا. ابتسمت الغابة في مرارة وقالت:
“أنظر يا رب… حتى الذي جاء ليقتلني، لم يجد غير ظلي ليستريح فيه.”
ثم مرَّ رجل أشعل نارًا في أطرافها، ولما اشتد الدخان، أخذ يلهث باحثًا عن نسمة هواء. ضحكت الغابة ضحكةً حزينة وقالت:
“وأنا… ما زلت أرسل إليه الهواء الذي يحاول أن يخنقه بدخانه.”
وسكتت لحظة، ثم قالت بصوت خافت:
“أطعمهم ثمري، وأسقيهم مائي، وأهديهم خشبي ليدفئهم، وأمنحهم الهواء ليحيوا… وهم لا يكفون عن التفكير في أفضل طريقة لإنهائي.”
ظلَّ الليل صامتًا، حتى سقطت ورقةٌ صفراء عند جذع شجرة عجوز.
قالت الورقة قبل أن تلامس التراب:
“لا أخاف أن أموت… أخاف أن يأتي يوم يبحث فيه الإنسان عن ظلٍّ فلا يجد، وعن عصفورٍ فلا يسمع، وعن غيمةٍ فلا يرى.”
عندها هبَّ نسيمٌ خفيف، وكأن السماء قد سمعت شكوى الغابة.
أما الإنسان… فكان في تلك اللحظة منهمكًا في رسم لافتة جديدة كتب عليها بخطٍّ عريض:
“لنحافظ على الغابات.”
ثم بحث عن أقرب شجرة… ليعلّق عليها اللافتة بمسمار.
بقلم الاستاذ؛ فاروق بوتمجت (الجزائر)











