“أبو هلهول”

“أبو هلهول”
كيف أخبره أنّني لا أنساه؟!…
أيسمعُني ؟…أشعرُ أنّه يسمعني…
للتّرابِ آذانٌ صاغية ، تتلهّفُ للخبر …يُهامسُ الزّهرُ …
يلثمُ الضّوءُ بهجةَ أزرارِ الوردِ، من رحم الأوراق الخُضرِ، فرحََا بالحياة …
يهامسُ النّسيمُ العطر ، أذْ يلثغُ الضّوعُ كلماتِ العَبق…
أنتَ أيضََا ، يا صديقي الكامن في أعماقي تعرفه !… …
إنّه : أبو هلهول …
أتذكّرُه الآن ،في “حيرونا” عندما كنّا نترك بيتنا القرميديّ الشّامخ…
وننتقلّ إلى منزلنا الصّغير المنمنم “المُكتكت” ونحضّرُ خيمتنا على السّطح …
مَن كان يُلبسُها حلّة جديدة من أغصان فوّاحة غير ” أبي هلهول”؟…
فيُسامرُ البخورُ بفتنةٍ القمر !…
يا الله !…كم كان يحلو لنا النّومُ في خيمتنا المعانقة فرحنا،تلثمُ وجوهَنا النّسائمُ الممتزجةُ برائحةِ الصّنوبر …

في هذه اللّحظة : يتراءى لي “أبا هلهول ” بابتسامته المشرقة، ينظر إلينا بعينيه الذّكيّتين وكأنّه يقول: “لا تخافوا كلُّ صعبٍ يهون …أنا معكم!”… أمّا المشكلة فكانت في المغسلة ،وقد تكلّست عظامُها من الفراق، واختفى منها الماء…
والمرآة فوقها لا تلمع ،قد افتقدت عيوننا الزّرقاء وجدائلنا الشّقراء…
نعم ،أمامَ تحلّي صديقنا بالصّبر ،إنّ لكلّ صعبٍ حلّ…
جلستُ قربه يومَها بعطشِ المُستغرب المندهش…

“ابو هلهول ” ذاكرةُ ضيعتِنا الجميلةِ ، كنّا نتحلّقُ بشغفٍ حوله …
فيقصّ علينا الحكايات الجميلة المكتنفة بالعِبَر…
نعم !… منه تعلّمتُ الكثير…
لماذا أكتب عن هذه التّفاصيل؟…فقط لأصل إلى جملته…
أتعرفين يا “حسنا” -واسمي كاسم ابنته-
أتعرفين يا حسنا؟ …ينتابني عندكم إحساسٌ بسعادةٍ مبهجة…
إحساسٌ لا مثيل له ، أينَ منه لو كنتُ عند “آل كرم” !…
وكان بيتُنا الصّغير المُنمنم ” المكتكت” فأل فرحٍ لكلّ زائرٍ…
فلا نخلو من المحبّين…
قد لا أقدر أن أوصل بين دقّاتِ الزّمنِ الصّاروخيّة كيف يترك فينا بعضُ البشر أجملَ الأثرِ…فنُحبّهم بامتنانٍ وفخر…

ولا يتوقّف الزّمن !…
جاء أخي من السّفر ، وكان عرّابُه “أبو هلهول ”
في المستشفى …
ضعفُ الجسدِ لم يضعفْ عقلَه ، لم يلمسْ إحساسه …
لَمَحَنا من البابِ – أخي وأنا -لمعتْ نظرتُه انشراحََا …
نسيَ وجعَه…وابتسمَ…
ابتسم !…وكانت فرحتُهُ مرتسمةََ في عينيه الذّكيّتين النّافذتين المُحبّتين…
لم يتغيّر!… … ولن يتغيّر في ذاكرتنا… لا ننساه…ولن أنسى ،أبي وأمّي وجدّتي ، والأصحاب …لا!…لا تموتُ العصافيرُ المزقزقةُ في حياتِنا…
تبقى زغرداتُ الإيمانِ بالخير في الإنسان ،ترنيمةَ غبطةٍ وافتتان …
آه !…”أبا هلهول “كم أحببناك!…
عندما ألتقي بأحدِ أولادك يكبر قلبي، ويضُخّ ارتواءَ روابطَ أبديّةٍ من جيلٍ إلى جيل …
كم لمتُ نفسي !…وهو مستلقٍ على ظهره في المستشفى …
لمتُ نفسي …فلم أزره كثيرَا… تأخذُنا الحياةُ بعيدََا عن سعادتِنا؟…
قالَ لي بحزنٍ”لم أزرع لك التّينة الشّتويّة الّتي وعدتُكِ بها…
وكان ذا شهرةٍ في زراعة وتطعيم التّين … ووعدُهُ دينٌ عليه !…
أضافَ :”لم أعد أقدر أن أصعدَ من الضّيعة الى “القرانة” …
وضيعتنا طلوعٌ طرقاتُها…
تُعانق دومََا البهاء … والآفاقُ رفيقةٌ، منذُ بدءِ الخليقة…
آهٍ !…أبا هلهول كم أحببناك !…كنتَ لي رمزََا لتاريخ وطني الأبيّ …
-والرّمزُ لا يعبرُ في دنيا زائلة-…
معرفتُك انصهارُ الذّهبِ في دفءِ القلب …
واعتزازٌ بتاريخِنا ،وأصولِنا الكنعانيّة…يا ذاكرة ضيعتي الّتي أحبّ!…
الحسناء ٢٠٢٦/٧/٢٥
(قصّتي هذه بعضٌ من نبضِ المودّة والحقيقة الأبهى والأجمل…
“حيرونا ” إحدى ضِيَعِ “ايطو” السّبعة …)