عَيْنَاكِ… وَطَنِي وَعُنْوَانِي

عيناكِ… وطني الذي لا أنفيه، ولا أبدّلهُ مهما تبدّلتِ الجهات، وعنواني إذا أضعتُ الطريق، وآخرُ مرفأٍ تلجأ إليه سفائنُ القلب حين يُرهقها بحرُ الحياة.

فيهما أخلعُ عن روحي عباءةَ الحزن، وأغسلُ وجعي بندى النظرات، وأتركُ عند أهدابهما كلَّ ما أثقلني من خيباتِ السنين.

إذا ابتسمتِ… أزهرتْ في دمي حدائقُ عشقٍ لا يذبلُ وردُها، ورقصتْ على ضفافِ القلب فراشاتُ اليقين، وصارَ للوقتِ عطرٌ يشبهُ الياسمين.

وإذا نظرتِ إليَّ صامتةً، تكلَّمتْ كلُّ لغاتِ الحنين، وسمعتُ نبضَ الغيابِ يستغفرُ من طولِ فراقه، ورأيتُ الليلَ ينزعُ عن كتفيه عباءةَ الظلام، ويرتدي ضوءَ عينيكِ.

ما كنتُ أبحثُ عن وطنٍ، فقد وجدتهُ بين جفنيكِ، ولا عن اسمٍ يخلّدني، فاسمي يُولدُ كلَّ صباحٍ من شفتيكِ، ويكبرُ كلَّ مساءٍ بين همساتكِ.

في عينيكِ تاريخي الذي لم يكتبهُ أحد، وأوّلُ أبجديّةٍ علّمتْ قلبي أن الحبَّ صلاة، وأن العاشقين لا يحتاجون إلى لغة، فالعيونُ وحدها تكفي لتقولَ كلَّ شيء.

كلُّ طريقٍ لا يمرُّ بعينيكِ ينتهي إلى التيه، وكلُّ دربٍ يبدأُ من نظرةٍ منكِ يُفضي إلى فردوسٍ لا تعرفهُ الخرائط.

يا امرأةً… كلّما ضاقَ بي العالم، فتحتْ لي عيناها أبوابَ السماءِ، وكلّما أثقلني الحزن، حملتني نظرةٌ منكِ إلى ضوءِ الرجاءِ، فأنسى أنَّ للعمرِ وجعًا اسمهُ الفراق.

لو خيروني بين العمرِ كلِّه، ولحظةٍ واحدةٍ أقيمُ فيها بين جفنيكِ، لاخترتُ تلك اللحظة، ففيها من الحياة ما لا تمنحهُ الأعوام، وفيها من النعيم ما تعجزُ عنهُ الأحلام.

أنتِ الجهاتُ الأربع، وأنتِ البوصلةُ إذا خانتني الجهات، وأنتِ القصيدةُ التي كلّما قرأتها اكتشفتُ فيها معنى جديدًا للحب، وسرًّا جديدًا للخلود.

فدعيني أسكنُ عينيكِ ما بقي في القلبِ نبض، ودعيني أكتبُ على صفحةِ القدر، وعلى جبينِ العمر، وعلى آخرِ أنفاسي:

عيناكِ وطني… وعنواني… وقبلتي إذا ضللتُ، ومينائي إذا تعبتُ، وأوّلُ الحلم، وآخرُ المنافي، وكلُّ ما سواهما غربةٌ لا تُشبهُ الحياة.

كارم الطير،،،،