قراءة حول الكتاب الورقي والكتاب الالكتروني

بقلم الأديبة إكرام زين الدين

 

منذ الصِّغَر،كان الكتاب الورقي بالنسبة لي جسدًا كاملَ الحواسّ، رائحةُ الحبر التي تُشمّ قبل أن تُقرأ، وحفيفُ الصفحات حين تُقلَّب كأنها تتنفّس، وثِقَلٌ في اليد يُذكّرك أنك تحمل عالمًا، لا شاشةً.
ثم جاء الزمن الرقميّ، خفيفًا كالريح، صار الكتاب أيقونةً تُلمَس بإصبعٍ لا بكفّ، وصفحةً تُمرَّر لا تُقلَّب، ومكتبةً كاملةً تسكن جيبَك دون أن تُثقِله. وهنا بدأت المفارقة الكبرى، أنّ الكتابَ ذاته، بمحتواه ومعناه، لم يتغيّر، لكنّ طقسَ لقائه تغيّر جذريًّا.
الكتاب الورقيّ طقسٌ، والكتاب الإلكترونيّ وظيفة. الأول يعلّمك الصبر والتؤَدة، والشاشة تعلّمك السرعة والاقتناص. وكلاهما قراءة، لكنهما إيقاعان مختلفان لموسيقى واحدة.
وثمة فارقٌ آخر أعمق، الكتاب الورقيّ يترك أثرًا ماديًّا للزمن الذي أمضيتَه معه،صفحاتٌ اصفرّت، هامشٌ خُطّ عليه بقلم الرصاص، طيّةٌ في الزاوية تُذكّرك أين توقفتَ. أما الكتاب الإلكترونيّ فيمحو أثر القارئ كما يمحو الماءُ خطوةً على الرمل، يُبقي المعلومة ويُصادر الذاكرة الحسّية للفعل ذاته.
لكنّ الحقيقة التي يعرفها كلّ عاشقٍ صادق للقراءة أنّ الوفاء للورق لا يُلغي الحاجة إلى الشاشة، بل يتعايش معها في هدنةٍ غير معلَنة. فالكتاب الإلكترونيّ أنقذ القارئ من ثِقَل الحقائب وضيق الرفوف، وفتح له مكتبات العالم في لحظة، اما الكتاب الورقي فبقي ملاذًا للحظات التأمّل العميق، حيث لا إشعارٌ يقاطع، ولا بطاريةٌ تنفد، ولا ضوءٌ أزرق يخدع العين والعقل معًا.
فالقارئ اليوم كائنٌ مزدوج الهوية، يُمسك الورقَ طلبًا للدفء والصمت والذاكرة الحسّية، ويفتح الشاشة في طلبًا للسرعة والاتساع والخفّة. وليس في هذا خيانةٌ للكتاب الأول، بل هو تطوّرٌ طبيعيّ لعلاقةٍ لا تموت، بل تتلوّن بتلوّن الأزمنة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقيّ، ليس أيّهما أفضل؟ بل أيّهما يخدم لحظتي الآن؟ فالعاشق الحقّ للقراءة لا يُقاس وفاؤه بشكل الوعاء الذي يحمل الكلمات، بل بمدى استعداده أن يُصغي لها، من ورقةٍ اصفرّت بفعل الزمن، أو من شاشةٍ تُضيء في عتمة الليل.
فالكتاب كيفما تجسّد يظلّ ذلك الصوت الذي يُحدّثنا منذ فجر الكتابة، والذي لم يتغيّر منه شيء سوى المرآة التي يعبر منها إلينا.

Ikram Zeineddine
Olfa Kchouk Bouhadida
Bassima Haj Yahya
Tabet Mounir
Walid Abou Aichi