أنا الّذي

أنا الّذي لا ينكسرُ ولا ينهزمُ..

أنا الّذي تنحني أمامي الهاماتُ، وتسقطُ عندي القاماتُ، وتذوبُ في حضوري المناصبُ والمراكزُ.

أنا الّذي يطأطئُ الغنيُّ رأسَهُ أمامي، فلا يستطيعُ أنْ يشتريَ منّي لحظةَ سلامٍ.

أنا الّذي ينزعُ عنِ المتكبّرِ رداءَ كبريائِهِ، فيقفُ أمامي مجرّدًا من كلِّ ادّعاءٍ.

أنا القاهرُ الجبّارُ الّذي تعجزُ أمامَهُ خزائنُ الملوكِ وثرواتُ التّجّارِ.

أنا أستاذُ البشرِ، أعلّمُهُم ما لا تُعلّمُهُ الأعوامُ، ولا تُلقّنُهُ الكتبُ.

لا يُهذّبُ النّفسَ، ولا يصقلُ الرّوحَ، إلّا أنا.

أنا الدّرسُ الّذي لا ينساهُ كلُّ ظالمٍ لئيمٍ.

أنا الّذي لا أعرفُ لونًا، ولا نسَبًا، ولا سلطانًا، ولا جاهًا، فالجميعُ عندي سواءٌ.

أنا مَن لا تستوقفني الحدودُ، ولا تمنعني الأبوابُ، ولا ترُدُّني الحُرّاسُ.

أنا مَن أدخلُ القصورَ كما أدخلُ الأكواخَ، وأجلسُ على سريرِ الملكِ كما أجلسُ على حصيرِ الفقيرِ.

أنا الّذي يستوي أمامي القويُّ والضّعيفُ، والمنتصرُ والمهزومُ، والحاكمُ والمحكومُ.

أنا مَن يُسقطُ الأقنعةَ، فلا يبقى للإنسانِ إلّا حقيقتُهُ.

أنا مَن ينتزعُ من القلوبِ أوهامَها، لِيُرِيَها ما أخفاهُ عنها الرّخاءُ.

أنا لا أسألُ عن هُوّيّةِ مَن أزورُهُ، ولا أستأذنُ قبلَ أنْ أحُلَّ.

لا تظُنّوا أنّي عدوُّ الإنسانِ، فكم مِن نفسٍ أفسدَها النّعيمُ، وأصلحتُها أنا!..

وكم مِن رأسٍ لم ينحنِ للحقِّ، فانحنى لي أنا!..

وكم مِن لسانٍ أكثرَ الكلامَ، فأسكتُّهُ بدرسٍ منّي دونما حاجةٍ إلى كلماتٍ…

حيثما أحلُّ…

تسقطُ الأقنعةُ، ويَعرفُ الإنسانُ حجمَهُ الحقيقيَّ.

وكلُّ مَن لم يمرَّ بي…

لم يعرفْ نفسَهُ بعدُ.

فلستُ عقوبةً دائمًا، ولا نقمةً كما يَظنُّ الكثيرون.

أنا المرآةُ الّتي يَرى الإنسانُ فيها وجهَهُ الحقيقيَّ حينَ تتحطّمُ مرايا الوهمِ.

أنا المنتصرُ الدّائمُ بلا منافسٍ..

أنا الوجع…

أنا الوجع…

لا تجعلْني سببًا للحقدِ، بلِ اجْعلْني طريقًا إلى الفهمِ.

ولا تجعلْني بابًا لليأسِ، بل نافذةً تُبصرُ منها سعادةً كنتَ تَحياها ولم ترَها.

فأنا لا أزورُ الإنسانَ لأُهلكَهُ، بل لأُوقظَ فيه نعمًا أنكرها.

فإذا مررتُ بكَ، فلا تسألْ: لماذا أنا؟

بلِ اسْألْ: ما هي الرّسالة الّتي أحملُها؟

فقد يَخرجُ الإنسانُ مِنّي إمّا مكسورًا أو حكيمًا.

والفرقُ بينهما ليس في شدّةِ الوجعِ…

بل في استيعابِ أهدافِه.

عايدة قزحيّا

من “مقالاتي”