
الدار البيضاء. .. حين تخلع العاصمة الاقتصادية معطف الصخب لترتدي روح التاريخ
بقلم : طارق الأسمر
حين يُذكر اسم الدار البيضاء، يقفز إلى الأذهان فوراً غبار الإسمنت، هدير المحركات، ناطحات السحاب التي تطاول السماء، وإيقاع الحياة السريع الذي لا يرحم. هذه هي الصورة النمطية لقطب المغرب الاقتصادي؛ مدينة من ورق نقدي وأبراج زجاجية. لكن خلف هذا القناع الصاخب، تختبئ روح أخرى، روح شاعريّة نادراً ما تلتفت إليها كاميرات الأخبار الاقتصادية، روح تنبض بالتاريخ والحضارة وتحكي قصة موروث غني ومتفرد.
وعلى بُعد خطوات قليلة من ساحة الأمم المتحدة، حيث يبلغ صخب الحداثة ذروته، يقف “باب مراكش” كحارس زمن أسطوري. ليس هذا الباب مجرد معبر إسمنتي، بل هو آلة زمن حقيقية.
وفور أن تطأ قدم الزائر عتبة هذا الباب، ينقشع ضجيج السيارات والمقاهي العصرية، ليجد نفسه مغموراً في عالم موازٍ. هنا، في المدينة القديمة، تفرض الأزقة الضيقة إيقاعها الهادئ، وتتحدث الجدران العتيقة بلغة القرون الغابرة. الأسواق التقليدية بأبوابها الخشبية البنية الكبيرة تعبق برائحة التوابل والتاريخ، معلنةً أن هنا يقع القلب التاريخي النابض للمدينة.
” المدينة القديمة هي القلب التاريخي للدار البيضاء “، حيث تقول مهجى نايت بركة، الكاتبة العامة لجمعية كازا ميموار ” ذاكرة الدار البيضاء “، وتضيف مؤكدة أن “انطلاقا من هذا القلب التاريخي، تطورت العاصمة الاقتصادية للمملكة لتصبح اليوم من أهم الحواضر بإفريقيا وقطباً اقتصادياً بارزاً”.
كما لم تكن طريق المدينة القديمة نحو الحاضر مفروشة بالورود، بل كانت ملحمة صمود خطّتها القرون. حيث تشير السيدة نايت بركة، في حديثها لوكالة المغرب العربي للأنباء، إلى أن الخرائط القديمة منذ القرن الحادي عشر كانت تسجل هذه البقعة كمدينة ساحلية صغيرة في منطقة “تامسنا”، منفتحة على العالم عبر تجارة نشطة مع إسبانيا والبرتغال وإيطاليا.
فقد كان اسمها آنذاك “أنفا”، وهي كلمة أمازيغية تعني ” التلة الصغيرة “. لكن التاريخ لم يكن رحيماً بها دائماً، فقد حاصرها يوسف بن تاشفين ودمرها عام 1068، ثم عاد البرتغاليون عام 1468 ليدكوها دكاً، انتقاماً من قراصنة محليين كانوا يهددون سفنهم التجارية.
وظلت المدينة تئن تحت رماد النسيان لعقود، حتى جاء السلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله 1747-1789، لينفخ فيها من روحه. أعاد بناء الأسوار، وشيّد معقلاً عسكرياً بحرياً “السقالة”, وبنى الجامع الكبير، والمدارس، والحمامات. ومع انتعاش مينائها في القرن التاسع عشر لتصدير الصوف والحبوب، ولدت المدينة من جديد تحت اسم سحر العالم “الدار البيضاء”.
فسيفساء التعايش وهندسة البحر
حتى عهد الحماية الفرنسية، كانت “الدار البيضاء” هي هذه المدينة القديمة ولا شيء غيرها. هنا تتزاحم المعالم التاريخية التي تشكل هوية المدينة في
المعالم الدينية ” الجامع الكبير، ومسجد ولد الحمراء”. والأضرحة الروحية مثل سيدي علال القيرواني، لالة تاجة، سيدي بوسمارة، وسيدي بليوط.
والمباني الإدارية، مكتب الجمارك القديم والقنصليات الأجنبية.
فهذا المزيج العمراني الذي أُدرج ضمن قائمة التراث الوطني سنة 2013، ليس مجرد أحجار متراصة، بل هو تجسيد حي لقيم التسامح والتعايش بين أصول وديانات مختلفة استوطنت المكان. وما يميز هذا الفضاء سيميائياً، أن أزقته ومبانيه تشبه المدن الساحلية المنفتحة على الأفق، أكثر من شبهها بالمدن العتيقة الداخلية للمملكة.
فالمحافظة على هذا الإرث ليست ترفاً فكرياً، بل هي معركة يومية ضد النسيان والتآكل. في السنوات الأخيرة، استفادت المدينة القديمة من برامج ملكية كبرى لإعادة التأهيل، لكن التحدي يظل مستمراً.
تطرح السيدة نايت بركة رؤية شمولية لإنقاذ هذا الموروث، تتلخص في صرامة التجديد، حيث وضع توجيهات قانونية حاسمة تضمن ألا تجهز المباني الحديثة على الهوية البصرية التاريخية للحي. والدعم التقني والمالي من أجل مساعدة الحرفيين وأصحاب المحلات لترميم أملاكهم دون تشويه الخصائص المعمارية. وإعادة التوظيف الذكي في تحويل المباني التاريخية المهجورة إلى متاحف، معارض، أو فضاءات مجتمعية تمنحها حياة جديدة.
وفي إطار بعث الحياة في هذه الجدران، تبرز مبادرات ثقافية واعدة مثل “ليالي تراث الدار البيضاء” التي تنظمها جمعية “ذاكرة الدار البيضاء”. في دورتها الرابعة التي أقيمت يومي 23 و24 مارس الماضي، قادت المبادرة حوالي 4000 زائر في سفر غامر عبر الزمن، شمل المدينة القديمة، وسط المدينة، وحي الحبوس.
فليست المدينة القديمة مجرد حي شعبي تتكدس فيه الذكريات، بل هي الرحم الحقيقي الذي ولدت منه الدار البيضاء الحديثة. إنها تذكير دائم للبيضاويين ولزوار المدينة بأن خلف واجهات البنوك والمصانع العصرية، هناك حكايات حضارات وثقافات متعاقبة، صنعت من هذه المدينة قبلة عالمية، وحصناً للذاكرة المغربية الحية التي ترفض الغياب …











