
“د. شيرين العدوى” تكتب : فاتورة إرهاب «الإخوان»
“د. شيرين العدوى” تكتب : فاتورة إرهاب «الإخوان»
وقف بين الحضور مدافعا عن كيان الأسرة المصرية، فى ندوة أقيمت مؤخرا فى مكتبة القاهرة الكبرى، ثم فجأة تهدجت نبراته قائلا : «إن من أمامكم فقد ابنه فى حادث رفح الثانية يوم 19 أغسطس 2013، ذبح ابنى أمام عينى وأنا أحلم معه بحياته وانحدرت دموعه». ولكيلا ننسى هذا الحادث، فقد أوقف مسلحون حافلتين كانتا تقلان المجندين العائدين من إجازتهم لتسلم أوراق نهاية خدمتهم، وقاموا بإنزالهم وتصفيتهم رميا بالرصاص. وكان عددهم 25 مجندا فى مشهد مروع ومصور بوحشية ليتم الضغط على الدولة والشعب.
إن هذه اللحظات تجعلنا ندرك كيف أستغل الإرهاب الفرصة البديلة لبناء الإنسان المصري؟ فبينما يستقل عامل اليومية قطاره الصباحى المسرع نحو رصيف كفاحه، ويغوص المفكر خلف مكتبه ليصوغ مستقبل الوطن، يلتقى الاثنان عند حقيقة وجودية صاغتها ثورة ثلاثين يونيو وهى: أن حماية الأوطان ليست مجرد رصاصة تردع غادرا؛ بل هى زمن مسترد ثمين سُرق من عمر البناء لمصلحة معارك وجودية فرضتها طيور الظلام.
وفى علم الاقتصاد السياسى، تبرز نظرية «تكلفة الفرصة البديلة» كأداة عقلانية تفكك الخيارات؛ إذ تقيس ما نتخلى عنه من مكتسبات حين نُجبر على خوض مسار دفاعى قسرى، فإذا ما أسقطنا هذا المفهوم من جدارية الواقع المصرى، سندرك أن الجريمة التاريخية لجماعة الإخوان تكمن فى إرغام الدولة على دفع فاتورة الأمل.
لقد فرضوا على مصر معركة استنزاف قاسية لصد الإرهاب وإعادة بناء التخريب، وهى طاقة هائلة من المال والجهد والدم، كان يمكن أن تتحول إلى مدارس متطورة تعلم ابن العامل البسيط الذى يدفع الفاتورة فى الحرب والإصلاح، أو مستشفيات مجهزة تنهى أنين المرضى، أو مشروعات تنموية تحتضن عقول شبابنا.
إن المقارنة بالأرقام صادمة، 450 مليار دولار تكشف جوهر الاستنزاف، فكل مليار توجه قسرا لإعادة إعمار منشآت خدمية ودينية، وتأمين للجبهة الداخلية، كان فى أصله فرصة ضائعة للتنمية. هذا الإهدار البشرى كان تجريفا حقيقيا لرأس المال البشرى والفكري؛ حيث انكفأت عقول للدفاع عن بقاء الدولة وثوابتها بدلا من الإنتاج المعرفى. فعندما استهدفت الجماعة مثلا أبراج الكهرباء والطاقة، وغيرهما من مفاصل الدولة الحيوية، لم تكن تمارس معارضة سياسية بل كانت تقطع شريان الحياة عن الشعب، لقد سعوا إلى تجريف ممنهج لرأس المال الاجتماعى من أجل السلطة واستخدموا البسطاء ومازالوا مستمرين بطرق أخرى، كما سعوا لتمزيق التجانس المجتمعى، وتحويل الخطاب الدينى من قوة دافعة للإنتاج إلى ألغام تنفجر فى وجه الهوية والتسامح.
من هنا يتجلى العمق الاستراتيجى لثورة الثلاثين من يونيو؛ إذ لم تكن مجرد انتفاضة شعبية لحفظ الهوية، بل كانت قرارا عقلانيا حاسما اتخذته الأمة لإنهاء هذا النزيف المجتمعى واللحاق بقطار المستقبل الشامل. واليوم، ونحن نحتفى بهذه الذكرى تدرك عقلية المفكر، والعامل المطحون أن حراسة الوعى هى السلاح الحاسم فى معركتنا المستمرة. وأن المشروعات التى تزين أرض مصر الآن ليست سوى استرداد صريح وتاريخى لبعض الفرص الضائعة التى كادت جماعة الإخوان تواريها التراب، وتأكيد حى على أن الوطن البديل الذى روجوا له لم يكن سوى خديعة كبرى لتجريد الوطن من مستقبله.
المصدر : مؤسسة الأهرام











