
بين جمر النار وموت الضمير: صرخة في جدار الصمت
بقلم: يسري سلطان
رحلت الأم، فظن الصغار أن اليتم هو أقصى فواجع القدر، ولم يعلموا أن خلف أبواب بيتهم تختبئ جهنم صغرى أوقد حطبها أقرب الناس إليهم؛ أبٌ تخلّى عن فطرة الأبوة، وزوجة أبٍ نزعت من قلبها كل آيات الرحمة.
في إحدى قرى مركز سيدي سالم بمحافظة كفر الشيخ، اهتزت الأرض تحت أقدام الإنسانية، وصُعقت الضمائر أمام جريمة تُدمي القلوب؛ صغارٌ في عمر الزهور يُحبسون، يُعذَّبون، ويُكوَون بالنار دون رحمة أو شفقة. أجسادٌ غضة لم تبرأ بعد من حزن فراق الأم، تُحرق وتُشوه بدم بارد، تحت سقفٍ كان يُفترض أن يكون لهم مأمنًا وحصنًا.
أين غاب المجتمع؟
أمام هذا المشهد الجنائزي للمشاعر البشرية، تقفز الأسئلة الصادمة التي تبحث عن إجابة في زمن عزّت فيه الإجابات:
أين أهل هؤلاء الأولاد وعزوتهم؟ كيف صمتت دماء القرابة في العروق أمام استغاثات أطفال لا حول لهم ولا قوة؟
أين الجيران؟ أين الذين تجاورهم البيوت والحيطان؟ كيف لم يصل إلى مسامعهم أنين الحرق وبكاء الخوف؟ كيف ينام جارٌ ملء جفنيه وخلف جدار بيته طفلٌ يُكوى بالنار ويستغيث؟ ألم يكن لزامًا على أي إنسان، دافعه النخوة أو الدين أو مجرد الإنسانية، أن يتدخل لإنقاذ هذه الأرواح المعذبة؟
أين جدة الأولاد لأمهم؟ كيف غابت عن السؤال عن قطرات من دم ابنتها الراحلة؟ كيف طال غيابها حتى تمكنت النيران من أجساد الصغار؟ ألم تشم رائحة الخطر تحيط بأيتام ابنتها الراحلة؟
كيف أصبحنا بلا قلب؟
إن هذه الفاجعة لا تكشف فقط عن وحشية الجناة، بل تدق ناقوس الخطر حول موت الضمير الجمعي.
كيف تحولنا إلى مجتمع يرى الفاجعة ويمر بها كعابر سبيل؟ كيف انسلخت القلوب من أغلفتها الرقيقة وأصبحت كالحجارة أو أشد قسوة؟
لقد تركنا القيم والمبادئ خلف ظهورنا، وتخلينا عن أقدس ما كان يميزنا: السؤال عن بعضنا البعض، والتكافل، وحماية الضعيف.
أين “الزمن الجميل” الذي مضى وانقضى؟ ذلك الزمن الذي كنا نعيش فيه أنقياء، فكان أطفال القرية كلهم أبناءً لكل رجالها ونسائها، وكان اليتيم يُحمل على الأعناق وتُمسح دموعه قبل أن تنزل. أين ذهبت تلك النقاء؟ وكيف استبدلناها بهذا الجفاء والبرود؟
إن ما حدث لصغار سيدي سالم ليس مجرد جريمة تعذيب عابرة، بل هو مرآة تعكس شرخًا عميقًا في جدار قيمنا. إنها صرخة عتاب ملتحفة بالدموع، لعلها توقظ القلوب الميتة، وتعيد إلينا إنسانيتنا التي كدنا نفقدها في زحام الحياة وقسوتها. وبانتظار عدالة الأرض لتقتص من هؤلاء القساة، تبقى عدالة السماء مرصدًا لكل من ظلم، ولكل من صمت عن الظلم وهو يرى.
يسرى سلطان











