حين لا يحدثُ شيء
عزيزتي ضوء…
أخافُ من الأيّامِ الهادئة
الّتي تمرُّ دون أن تترك خدشًا في القلب
من الصّباحاتِ الّتي تشبهُ بعضها
كأنّها نسخٌ باهتة
من عمرٍ لا يتذكّر نفسه
أخافُ أن أكبر دون أن أتعثّر بشغفٍ حقيقيّ
دون أن أقولَ مرّةً واحدة: هذا أنا
أن أضحك
لكن دون أن يرتجف شيءٌ في داخلي
أن أحبّ
وكأنّني أؤدّي واجبًا لا رغبة
أخافُ من قلبي
حين يصيرُ مؤدّبًا أكثر ممُا ينبغي
حين يتوقّفُ عن الفوضى
ويكتفي بالنّبضِ كوظيفة
أخافُ من تلك الطّمأنينة الّتي لا تشبه السّلام
بل تشبهُ غيابَ المعنى
من الطّرقاتِ الّتي أعرفها جيّدًا
ولا تأخذني إلى أيّ مكان
من صوتي حين لا يعلو ولا ينكسر
ولا يقولُ شيئًا يستحقّ أن يُسمع.
عزيزتي ضوء…
حين لا يحدثُ شيء
أشعر أنّني أتبخّر ببطء
كأنّ أحدًا يطفئني من الدّاخل دون أن يلمسني
أفتحُ النّافذة
لأتأكّد أنّ العالم ما زال هناك
فقط أفعلها وحدي
أراقبُ المارّة
كأنّني أراقب حياةً لم أُدعَ إليها
كأنّني خطأ صغير
في جملةٍ كبيرة اسمها الوجود
وأنتِ
انقطعتِ عنّي فجأة
كأنّكِ لم تكوني هنا يومًا
لا تسألين
لا تتركين أثرًا
ولا حتّى صدفةً صغيرة تُشبهك
أحفرُ في الرّسائل القديمة
في الماسنجر..
في الواتس..
كمن ينقّب عن بقايا قلبه
أبحثُ عن جملةٍ حنونة
عن كلمةٍ نسيتِها هناك
عن ضحكةٍ عالقةٍ بين سطرين
أضغطُ على تسجيلات الصّوت
لعلّ صوتكِ يمرّ
كعصفورٍ ضلَّ طريقه ـ تخيّلي لا يوجد تسجيل واحد لكِ ـ
ويحطُّ لثانيةٍ في صدري
لكن لا شيء
حتّى الصّمت صار أكثر امتلأ منكِ
أحيانًا
أرغبُ أن أركض بلا سبب
أن أصرخ في وجه يومٍ عاديّ
أن أكسر ترتيب هذا الصّمت ولو بسقوطٍ غير لائق
أفكر
أن أرتكب حماقةً عظيمة
أن أقول كلّ ما أخفيته دفعةً واحدة
كما لو أنّني أكتب وصيّتي الأخيرة
أن أُخطئ
بشجاعةٍ تليق بالحياة لا بخوفٍ يليق بالنّجاة.
عزيزتي ضوء…
هل يمكن للإنسان أن يعيش عمرًا كاملًا
دون أن يحدث له شيء؟
دون أن يسقط أو ينهض أو يخطئ في اتُجاه قلبه؟
ما جدوى أن نكون هنا
إذا كنّا لا نترك أثرًا ولا نحملُ معنا أثرًا؟
أفكّر أحيانًا
أنّ الحياة ليست في النّجاة بل في الارتباك
في تلك اللّحظة الّتي لا نعرف فيها
هل نحن بخير أم أنّنا نحترق
هناك فقط
نشعر أنّنا حقيقيون
أمّا حين لا يحدثُ شيء
فإنّنا نصبح خفيفين أكثر مما يجب
شفُافين
إلى درجة أنّنا لا نرى أنفسنا
نمشي
لكنّ الأرض لا تتذكّر خطواتنا
نتنفّس
لكن الهواء لا يعترف بنا
ننام
ونصحو
كأنّنا لم نغادر العدم أصلًا
أمّا البقيّة
فمجرّدُ أيّامٍ تمشي بنا
كما يمشي الغبارُ
فوق أشياءٍ مهجورة
محب خيري الجمال
Moheb Khairy Elgmmal




































