“د. شيرين العدوى” تسلط الضوء علي الاختناق الاقتصادي

“د. شيرين العدوى” تسلط الضوء علي الاختناق الاقتصادي

 

جلست أمامى تكاد تختنق، وعبراتها تسيل بهدوء رغم إعصارها الداخلى الذى تخفيه. أستاذة جامعية التحقت بالسلك الجامعى متأخرة عن المعتاد. راتبها مع ارتفاع متطلبات الحياة والاختناق الاقتصادى يكاد يكفيها، حلم حياتها أن تحصل على درجة أستاذ مساعد؛ فهى لن تستطيع مع قانون الجامعات أن تحصل على درجة أستاذ. ولكى تنشر أبحاثها تحتاج من 6 إلى 8 بحوث منشورة فى مجلات علمية محكمة تحتاج إلى مبلغ وقدره، لا أحد يرحمها فكلما اجتهدت وضعت تحت الأقدام، وكأنها تعاقب على اجتهادها. ولأنها بلا سند سوى الله قررت الاقتراض بضمان راتبها إلا أن البنك كسر ظهرها، ففكرت تفكيرا ساذجا بالاقتراض من شخص نبيل لتسدد قرض البنك؛ لانغلاقها لم تتابع ما يحدث فى شركات التمويل والاقتراض السريع. فوقعت فريسة لشركة تعلن عن قروض بلا ضمانات تصل إلى مليون جنيه، مع شروط ميسرة جدا فى السداد. إعلان صغير شاهدته بالصدفة على الفيسبوك قلب حياتها من دكتورة مستورة إلى غارمة من غارمات مصر. فالشرك كان فى الإعلان الذى اكتشفت أنه شرك مكون من عصابة يحملون ماكينات فوري، بدأت فى تزيين القرض بعد معرفة حال الفريسة، وأنهم قادرون على إقراضها مبلغ 250 ألف جنيه، تستطيع أن تسدد منه الـ 100 ألف التى اقترضتهم من البنك مع فوائدهم التى تصل إلى 15% فى حال السداد الفوري، ثم تحصل على الباقى وتحقق حلمها، والحقيقة أن المسألة كانت فخا كبيرا؛ حيث بدأت العصابة إلى توجيهها إلى عدة شركات متسلسلة للتمويل الاستهلاكي، كل شركة تعطى مبلغا صغيرا لشراء مواد سلعية، فيسحب بماكينة المشتريات المبلغ، ثم يعطى للفريسة نصف المبلغ، ويحصل على النصف الآخر بحجة أنه «ضريبة للماكينة»، وهكذا.. استبدلت قرض البنك بـ 300 ألف جنيه لا يمكن سدادها. فالضريبة مضاعفة والسداد على 6 سنوات، وفى حال السداد المعجل سيرتفع الدين. فقد وضعت الدكتورة رقبتها بكل سهولة تحت نير العوز، وقد شارفت على الستين، وبدلا من أن تسعد بترقيتها. لم تقدم للترقية من الأساس، لأنها كسرت من الداخل. لا تستطيع أن ترفع رأسها وسط مجتمعها الراقي، ولا أسرتها البعيدة المشغولة بنفسها، ولا أن تقدم على الشكوي؛ لأن القانون لا يحمى المغفلين.

 

أتوجه اليوم بهذه الرسالة للمواطنين فى مصر، وأفتح هذا الملف محذرة من القروض، لافتة النظر للصوص القروض. فقد اتسعت سوق التمويل الاستهلاكى المصرفى فى مصر بوتيرة عالية، حتى بلغ عدد عملائها نحو 1.77 مليون عميل فى النصف الأول من عام 2024 بقيمة تمويلات تجاوزت 24.2 مليار جنيه، بنسبة نمو 17.7% تقريبا كل عام. هذه الشركات لاشك سهلت على المواطن التمويل بضغطة زر واحدة، ولكنها فتحت أمامهم أبواب جهنم من تراكم خفى للديون، فحين يقترض الفرد من ثلاث أو أربع شركات فى آن واحد، تتوه القدرة الحقيقية للسداد بين الأقساط المتشابكة، وتتحول الخدمة من تسهيل إلى فخ محكم الإغلاق، ومجموعة من الغارمين. فيتنفس تحت نير الاستدانة المتراكبة، ويفقد كرامته، ويصبح عبدا مربوطا بسلاسل الدين. «فمن لا يملك قوته لا يملك قراره».

المصدر : مؤسسة الأهرام

رفعت للتصميم