الحب لمن رمّم الروح

 

ليس الحب للحبيب الأول ، فالأول غالبًا يأتيك وأنت مكتمل . يصادفك و أنت لا تزال تجهل مرارة الانكسار، و تحبه لأن البدايات وحدها كافية بان تُبهرك ، و عادة ما نقول : ليت كل النهايات بداية .

أما الحب الحقيقي ، فهو حب من أتى بعد أن تهشمت و تبعثرت و تقريا تحطمت مشاعرك كليا

هو حب من وجدك شظايا مبعثرة ، وقلبًا أنهكته الخيبات ، وروحًا أطفأتها التجارب ، و داخل غطته خيوط العناكب و سكنته الغربان …و توشح بالعتمة …

وكان بوسعه أن يمضي.. أو أن يكتفي بالشفقة … لكنه اختار البقاء بجانبك .

لم يحاول إرجاعك إلى نسختك القديمة، لأنه يعلم أن الزمن لا يعود للوراء ، و إنما أخذ كل قطعة منك، قطعة الكسر، و الخذلان، و الصمت التي أخفيتها خلف قناع القوة، و أخذ يصنع منها شيئًا جديدًا.

فصنع منك لوحة فسيفساء :

لم يخفِ الشروخ ، بل جعلها جزءًا من الجمال ..

حوّل كل ندبة إلى لون ، و كل ألم إلى تفصيلة ، و كل ذكرى موجعة إلى حكمة مغلفة بالصبر .

فتسرب الضوء من مواضع الكسر ، فمنحك بريقًا لم يكن لك من قبل ..

هنا يكمن الفارق :

الحبيب الأول يسأل : “لماذا تبكي ؟” و مع سؤاله ، ليت بكاؤك يمر بسرعة ، ربما يرفع يده و يمسح دمعة ، ربما يضمك ، لكن في قرارة نفسه يقول ، لينتهي ” هذا” بسرعة .

أما المرمم فيقول: “ابكِ حتى تفرغ ، و أنا معك” ، يضمك حتى يتم افراغ الدموع بحضنه ، يمسح الدمع و يدعمك بكلام محفز حتى تتجاوز …

الأول يفزع من عيوبك ، نعم و هذا صحيح!!!

و الثاني يقول : “هلم نعيد ترتيبها معًا حتى تغدو ميزة” .

لذلك ، عندما يراك الناس بعد ذلك ، لا يرون آثار الانكسار ، يرون لوحة مكتملة ، متعددة الألوان ، عميقة الحكاية ..

لوحة ما كانت لتوجد لولا أنك انكسرت ، و لولا أن هناك من آمن بأن من الركام يمكن أن ينهض الجمال ، و من العتمة يولد النور ، و من القسوة ينبع اللين ، و من بين الصخور يُزهر الورد …

فالحب ليس لمن صادفك أولًا …

إنما لمن قرر أن يعيد بناءك ، فأخرج من تحت الأنقاض إنسانًا أشد صلابة ، و أكثر إشراقًا ، كنور الفجر من دجى الليل …

فشكرا لمن لملم بعثرتي و رمم انكساراتي ..

 

و يبقى دائما السؤال مطروح :

أيّهما تراه أبلغ أثرًا في النفس : البداية التي تُبهر ، أم الترميم الذي يُخلّد ؟

 

بقلمي الأستاذة الناقدة

سعيدة بركاتي/ تونس