
تحوّلات
بقلم فؤاد سراية
لا نعبر التجارب الكبرى كما نعبر شارعاً أو نطوي عاماً من أعمارنا؛ إنها تعبر بنا، وتترك في داخلنا إنساناً غير الذي دخلها.
قد تكون علاقةً عاطفية كشفت لك هشاشة القلب، أو فقدانَ عزيزٍ أعاد ترتيب سلّم الأولويات، أو غربةً طويلة جعلتك تفهم معنى الوطن حين صار بعيداً، أو حرباً جرّدتك من أوهام الأمان، أو سجناً علّمك أن الحرية ليست شعاراً، بل نعمة لا تُدرك إلا حين تُسلب، أو صراعاً مع المرض علّمك أن الصحة ليست تفصيلاً في الحياة، بل شرطها الأول. أو، ببساطة، لحظة صمتٍ واحدة أعادت ترتيب كل شيء. وقد يكون التحول فكرةً واحدة زلزلت يقيناً قديماً، أو مراجعةً عميقة لموروثٍ ديني أو فكري كنت تظنه فوق السؤال، فإذا بك تكتشف أن الإنسان لا يتغير بتجاربه وحدها، بل بأسئلته أيضاً.
بعدها لا يتغيّر العالم… بل تتغيّر العين التي تنظر إليه.
الأغنية التي سمعتها ألف مرة، تسمعها فجأة وكأنها كُتبت لك اليوم. تمر على بيتٍ كنت تردده بلا اكتراث، فإذا به يصف وجعك بدقةٍ مدهشة. والفيلم الذي حسبته مجرد حكاية يصبح مرآةً لنفسك، فتتعاطف مع شخصية كنت تكرهها، وتدين أخرى كنت تصفق لها. والكتاب الذي أغلقته قبل سنوات معتقداً أنك استوفيته فهماً، تفتحه من جديد فتكتشف أن الكلمات لم تتغير، وإنما القارئ هو الذي تغيّر.
لهذا تختلف قراءات الناس للنص الواحد، وتتباين أحكامهم على الحدث نفسه، بل ويختلف الإنسان مع نفسه عبر الزمن. فما رفضه بالأمس قد يتفهمه اليوم، وما كان يراه حقيقةً نهائية قد يكتشف أنه لم يكن سوى مرحلةٍ من مراحل فهمه.
إننا لا نرى الأشياء كما هي، بل كما نحن. وكل تحولٍ عميق في داخلنا يعيد ترتيب العالم من حولنا، دون أن يغيّر فيه حجراً واحداً.
وربما لهذا السبب ينبغي أن نتواضع أمام الحياة؛ فلا نسخر من أحكامنا القديمة، ولا نتعصب لأحكامنا الحالية. فما زالت الأيام تخبئ لكل واحدٍ منا تجربةً قد تكون كافية لأن يرى العالم بعينٍ أخرى.












