الفنانة التشكيلية ” سمية الدليمي ” .راوية الحكايات التي ترسم بالضوء وتُدرّس بالحب

بقلم : طارق الأسمر

​في زاوية دافئة من مرسمها، حيث تمتزج رائحة الزيت برائحة الحلم، تجلس امرأة لا ترسم الأشكال بل تروي الحكايات. يُسمّونها في أروقة الفن ” شاعرة اللون “، لكنها في الحقيقة حارسة الذاكرة والأنوثة المغربية، إنها ” سمية الدليمي “، التي لم تختر الفن هواية، بل اختارها الفن لتكون صوته السري وخطه الممتد بين دفتي كتاب.

​تبدأ الحكاية من شغف قديم طاعن في الجمال، حيث تأثرت روضتها الفنية الأولى بتراث الشرق الأدنى، فامتصت عيناها سحر الرموز وعمق الثقافة الإنسانية. ومنذ تلك اللحظة، فقطعت على نفسها عهداً ألا تترك امرأة في لوحاتها إلا وجعلت منها بطلة لقصة تتحدى الزمن.

و​حين تتأمل لوحة للمبدعة ” سنيا الدليمي “، فلن ترى مجرد ألوان، بل ستجد نفسك أمام حوار هامس بين ما يظهر وما يختفي. بين غواية الأزرق الممتد كبحر من الأحلام، ودفء الكستنائي الذي يشبه طين الأرض، وإشراقة الأصفر كشمس مغربية عنيدة.

حيث ​لم يكن فنها يوماً مجرد محاولة لتجميل الواقع، بل كان مرفأ أمل تشيده بضربات ريشتها وسط عواصف الحياة ومآسيها. في لوحاتها تتقاطع الآلام بالآمال، وتخرج المرأة من خلف ستائر الصمت لتتحاور مع العالم، امرأة تحفظ تاريخها العريق بوعي، وتمسك بيمينها خيوط مستقبلها.

​”الفن ليس مجرد متعة للنظر، بل هو تجربة روحية تنبش في عمق القصص الاجتماعية والإنسانية “.

و ​كأي مسافر في بلاد الإبداع، التقت روح ” سمية الدليمي ” بأساليب كبار الفنانين العالميّين، لعل أبرزهم ” هنري ماتيس “. حيث استلهمت منه خطوطه، لكنها لم تقلده، بل أخذت تلك البساطة والعمق وألبستهما عباءة مغربية خالصة. ​فأصبحت لوحاتها تتحدث بلهجة الأنوثة العربية والمغربية، تنقل أحلامها، انكساراتها، وتحدياتها اليومية، مما جعل من ريشتها صوتاً حياً ومرآة صادقة للمشهد الفني المعاصر.

كنا ​لم تكتفِ سمية بأن تعيش لنفسها في صومعة الفن، بل أرادت للضوء أن يتسع. في قاعات الجامعة، تخلع الفنانة معطف مرسمها لترتدي ثوب الأستاذة الأكاديمية. و ​هناك، بين الطلبة ومدرجات العلم، تتنقل بسلاسة تثير الإعجاب ، حيثى​في الصباح تزرع في عقول الأجيال الجديدة بذور الفكر والنقد الأكاديمي، و ​في المساء تعود إلى لوحتها لتسقي تلك البذور بماء التجربة الروحية والإبداع الخالص.

و ​هذا التوازن المدهش بين صرامة الأكاديميا وحرية الفن، هو ما منح تجربتها عمقاً وثراءً، وجعل رسالتها تتجاوز حدود اللوحة لتستقر في وعي جيل بأكمله.

و ​في نهاية المطاف، ليست ” سمية الدليمي ” مجرد فنانة تشكيلية تمر على القماش بريشتها، إنها راوية قصص تجلس على ضفاف الحياة، تغمس ريشتها في محبرة التراث، وتصنع من الخطوط والألوان وطناً دافئاً يتسع لكل النساء …