الريبرتوار المسرحي العالمي في المهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء

قراءة في فوز “مدرسة الزوجات” لموليير بالجائزة الكبرى للدورة الثامنة والثلاثين

 

الدار البيضاء – أحمد طنيش

 

 

لم يكن إعلان لجنة تحكيم الدورة الثامنة والثلاثين للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء منح الجائزة الكبرى لعرض “مدرسة الزوجات” ، يوم الخميس 9 يوليوز 2026، الذي قدمته جامعة سابينزا بروما الإيطالية، مجرد تتويج لعرض مسرحي متقن، أو بالأحرى أكثر اتقان بموازاة باقي العروض المتسابقة الممثلة للجامعات الدولية المشاركة (بدء من إيطاليا، تونس، مصر، أرمينيا، اسبانيا، والفرق الجامعية المغربية) استطاعت العرض المسرحي الجامعي الإيطالي، أن تقنع لجنة التحكيم برؤيته الإخراجية وأطروحته الجمالية التقنية والفنية، بل كان، في عمقه، انتصارًا لفكرة ظل المهرجان يؤمن بها منذ تأسيسه سنة 1988، وهي أن الجامعة ليست فضاء لإنتاج المسرح فقط، وإنما مختبر حي لإعادة اكتشاف التراث المسرحي العالمي، وإعادة مساءلة نصوصه المؤسسة في ضوء أسئلة الإنسان المعاصر.

لقد جاءت الدورة الثامنة والثلاثون، التي احتضنتها الدار البيضاء من 4 إلى 9 يوليوز 2026، تحت شعار يربط المسرح بالحياة المشتركة، وبالحوار الثقافي بين ضفتي المتوسط والفضاء الأطلسي. غير أن نتائجها حملت رسالة فنية أخرى لا تقل أهمية، مفادها أن الريبرتوار المسرحي العالمي ما يزال قادرا على إلهام الأجيال الجديدة، وأن النصوص الكبرى لا تنتمي إلى الماضي، بل تستعيد شبابها كلما وجدت مخرجًا يمتلك الجرأة على إعادة قراءتها.

لا يمكن فهم دلالة هذا التتويج دون العودة إلى مفهوم “الريبرتوار المسرحي”، باعتباره ذاكرة المسرح الحية، فالمسرح، منذ الإغريق وحتى اليوم، لم يبن تاريخه على النصوص الجديدة وحدها، وإنما على إعادة تقديم النصوص المؤسسة، وإخضاعها باستمرار لأسئلة العصر.

إن الريبرتوار ليس أرشيفًا جامدًا، بل هو الذاكرة الحية للمسرح، حيث تعود أعمال إسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس، ثم شكسبير وكالديرون وراسين وكورناي وموليير وتشيخوف وإبسن وبريخت وبيكيت، إلى الخشبة مرة بعد أخرى، لا لأنها تنتمي إلى الماضي، وإنما لأنها تمتلك قدرة نادرة على مخاطبة الإنسان في كل زمان.

من هنا تبدو الجامعة المكان الطبيعي لهذا الحوار المستمر مع التراث، لأنها لا تبحث عن النجاح التجاري، وإنما عن التجريب، وإعادة القراءة، وإنتاج المعنى.

يصعب الحديث عن المسرح العالمي دون التوقف عند موليير، أحد أبرز صناع الكوميديا الحديثة، وأهم كانب لم يغادر الخشبة، والذي استطاع منذ القرن السابع عشر أن يحول الضحك إلى أداة لكشف تناقضات المجتمع.

كتب “مدرسة الزوجات” سنة 1662، وقدمت للمرة الأولى على مسرح القصر الملكي في باريس، حيث جسد موليير بنفسه شخصية “أرنولف”، الرجل الذي يقرر تربية فتاة صغيرة في عزلة تامة حتى يصنع منها زوجة مطيعة لا تعرف شيئا عن العالم، غير أن مشروعه ينهار عندما تكتشف الفتاة الحب، فتبدأ أسوار السلطة الذكورية في التشقق أمام إرادة الحرية.

أحدث العرض الأول جدلًا واسعًا في المجتمع الفرنسي، ليس بسبب بنيته الكوميدية، بل لأنه هاجم، بجرأة غير مسبوقة، فكرة امتلاك الرجل للمرأة، وناقش العلاقة بين التربية والسلطة، وبين المعرفة والحرية. وبلغ الجدل حدًا دفع موليير إلى الرد على منتقديه من خلال نصين مسرحيين هما “نقد مدرسة الزوجات” و”ارتجال فرساي”، في واحدة من أشهر المعارك الفكرية في تاريخ المسرح الفرنسي.

قلما نجد نصًا مسرحيًا حافظ على حضوره المتواصل فوق الخشبة كما فعلت “مدرسة الزوجات”. قرابة ثلاث قرون ونصف من الحياة.

فمنذ القرن السابع عشر، لم تنقطع قراءات هذا العمل، وتعاقب على إخراجه كبار المخرجين، من لويس جوفيه إلى أنطوان فيتيز، ومن جان بول روسيون إلى جاك لاسال، وصولًا إلى مخرجي القرن الحادي والعشرين الذين لم يعودوا يرون في النص مجرد كوميديا عن الزواج، بل خطابًا معاصرًا يناقش السلطة، والجسد، والتعليم، والحرية، وإعادة تشكيل العلاقات الإنسانية.

لقد تغيرت الأزمنة، لكن الأسئلة بقيت هي نفسها.

فهل أرنولف طاغية يخشى فقدان سلطته؟

أم رجل مأزوم يعيش خوفه من المجتمع؟

وهل أغنيس فتاة ساذجة؟

أم امرأة تكتشف ذاتها لأول مرة؟

كل جيل يجيب عن هذه الأسئلة بطريقته، ولذلك يظل النص قابلًا لأن يولد من جديد مع كل عرض.

السؤال الجدلي الآن: لماذا يعود المسرح الجامعي إلى موليير؟ قد يبدو غريبًا أن تختار الجامعات، وهي فضاءات للشباب والتجريب، نصًا كُتب قبل أكثر من ثلاثة قرون ونصف، لكن الحقيقة أن المسرح الجامعي كان، ولا يزال، أحد أهم الحواضن العالمية لإحياء الريبرتوار.

فالجامعة لا تقدم النصوص الكلاسيكية باعتبارها آثارًا متحفية، بل باعتبارها مختبرات للتفكير الجمالي.

إنها تعيد كتابة الزمن، وتفكك الشخصيات، وتغير الفضاءات، وتستبدل اللغة المسرحية التقليدية بجماليات جديدة، دون أن تفقد النص روحه.

لهذا نجد “مدرسة الزوجات” حاضرة باستمرار في معاهد المسرح الأوروبية، وفي مشاريع التخرج، وفي المختبرات الجامعية التي ترى في موليير مدرسة حقيقية لتكوين الممثل والمخرج والباحث المسرحي.

لم يكن المسرح المغربي بعيدًا عن هذا المسار، حيث أن موليير كامن في الذاكرة المسرحية المغربية، فمنذ بدايات المسرح الحديث بالمغرب، شكل موليير أحد أكثر الكتاب حضورًا، سواء من خلال ترجمات نصوصه، أو عبر الاقتباسات التي أعادت صياغة عوالمه بما ينسجم مع المجتمع المغربي، أو من خلال الأعمال التي استلهمت طريقته في بناء الكوميديا الساخرة ونقد السلطة الاجتماعية.

كما ظلت نصوصه مادة للتكوين في المعاهد الجهوية ومدارس التكوين وصولا المعمورة وبعدها إلى المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، وفي الجامعات المغربية، وفي تجارب فرق الهواة والفرق الجامعية، التي وجدت في أعماله فضاءً رحبًا لتكوين الممثل، واختبار قدراته على الجمع بين الكوميديا والدقة النفسية والبعد الفكري.

هذا الحضور المتواصل يفسر لماذا بدا فوز “مدرسة الزوجات” في الدار البيضاء مألوفًا للمسرحيين المغاربة، لأنهم يعرف