
سهيلة ايت لحسن ..وادٍ شقّ الصخر وحكاية امرأة غازلت الماء وأغضبت الركود
بقلم : طارق الأسمر
في غمرة الصخب الذي يملأ ردهات المقاهي الثقافية بالمغرب، وثنايا الفضاء الأزرق الممتد، كان هناك صوت ينمو بهدوء، كعشبة برية نبتت بين شقوق جدار قديم. إنه صوت ” سهيلة آيت لحسن ” سيدة لم ترتضِ أن تكون مجرد عابرة سبيل في قطار الأكاديميين المزدحم، بل اختارت أن تمشي حافية على جمر الأفكار، باحثة عن سر يربط بين جمال الكون وعقل الطفل.
تبدأ الحكاية من شغف غريب، شغف بالجماليات والتربية. في وقت كان الجميع يتحدث فيه عن أزمة المياه بلغة الأرقام الجافة ونسب الجفاف المخيفة، جلست سهيلة لتكتب بلغة أخرى. غمرت ريشتها في بحر الفلسفة والفن، وصنعت كتاباً أسمته ” جمالية الماء “. لم يكن مؤلَّفاً بيداغوجياً بارداً، بل كان أشبه بدعوة صوفية للتأمل، كيف نحول المجسم الفني إلى معلّم صغير يهمس في أذن الطفل ” حافظ على قطرتي، فأنا سر وجودك “.
حيث طارت كلمات ” سهيلة ايت لحسن “، عابرة القارات، لتستقر ذات صباح مشمس على رفوف مكتبة الكونغرس الأمريكي. كان ذلك اعترافاً صامتاً بأن هذه الأنثى القادمة من ثنايا الهامش المغربي، تحمل في حقيبتها فكراً يهم العالم بأسره. ولكن النهر الجاري لا يعجب حراس المستنقعات الراكدة.
وفي يوم ربيعي، بينما كانت تستعد لتوقيع كتابها والاحتفاء بثقافة الحياة، أُغلقت في وجهها الأبواب فجأة. تراجعت دار النشر، ومُزقت الملصقات، وحلّ صمت مريب مكان صخب المثقفين. حيث قيل خلف الكواليس إن جرمها كبير، إنها تحمل لوثة التنوير، وتتحدث بجرأة لا تروق للذين يفضلون العيش في عتمة اليقينيات القديمة.
ولم يتوقف الأمر عند إلغاء ندوة، بل هبّت عليها رياح رقمية مسمومة، وحملات تحريض تكيل لها التهم والوعيد، محاولةً كسر القلم الذي تجرأ على الكتابة خارج السطر المرسوم.
وفي تلك اللحظة الحرجة، حين تلوذ العصافير بالصمت خوفاً من العاصفة، وقفت ” سهيلة ايت لحسن ” كشجرة صفصاف عنيدة. لم تبكِ، ولم تتوارَ خلف أعذار الخوف، بل كتبت بياناً أشبه بمرآة صقيلة وضعت فيها المجتمع أمام وجهه العاري. فتضامن معها عشاق الكلمة الحرة، والتف حولها المثقفون والإعلاميون، ليشكلوا معاً جداراً صدّ عنها طعنات الكراهية.
واليوم، ما زالت ” سهيلة آيت لحسن ” تمشي في طريقها، هادئة كالماء الذي كتبت عنه، لكنها قوية كالسيل حين يقرر جرف الحجارة التي تسد مجراه. لقد علّمتنا حكايتها أن التنوير ليس ترفاً فكرياً، بل هو معركة يومية تخوضها امرأة قررت ألا تموت عطشاً في صحراء الفكر الصامت …











