معركة البنيوية عربياً

سالم يفوت

عندما تهاجر النظريات الفلسفية من مقاهي باريس ومختبرات أوروبا إلى العالم العربي، فإنها لا تصل كمعادلات محايدة، بل تصطدم بواقع متشابك من التراث التراث، والسياسة، واللاهوت، والهوية. هذا بالضبط ما حدث عندما هبط “المنهج البنيوي” على الساحة الثقافية العربية في أواخر السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين. لم يكن دخول البنيوية مجرد استعارة لأداة نقدية لغوية، بل تحول إلى “معركة كسر عظم” شطرت النخب الفكرية العربية إلى معسكرين متواجهين: معسكر التبني الحداثي، ومعسكر الرفض الأيديولوجي.

 

من جهة، وجد تيار من النقاد والمفكرين العرب (أمثال كمال أبو ديب، عبد الله الغذامي، وعبد السلام المسدي) في البنيوية طوق نجاة لإنقاذ النقد العربي من حالة الترهل الانطباعي والعاطفي. رأى الحداثيون أن الدراسات العربية غارقة في “تقديس المؤلف”، وإسقاط السير الذاتية على النصوص، والخطابات الأيديولوجية الرنانة. قدمت البنيوية، بصرامتها الرياضية وتركيزها على تفكيك “بنية النص الداخلي”، فرصة لـ “عَلْمَنَة” النقد العربي؛ أي تحويله إلى ممارسة علمية موضوعية تدرس النصوص (من الشعر الجاهلي حتى الرواية الحديثة) كأنظمة لغوية مستقلة، متجاوزين بذلك عقدة التبجيل التاريخي للتراث.

 

على الضفة المقابلة، اصطدمت البنيوية بجدار صلب من الرفض الحاد، والذي تشكل من تحالف غير معلن بين المحافظين والماركسيين والقوميين العرب.

 

تمحور الرفض الأيديولوجي للبنيوية عربياً حول عدة نقاط مفصلية. بالنسبة للتيار المحافظ، كانت مقولات بنيوية مثل “موت المؤلف” وعزل النص عن مرجعيته الخارجية تمثل تهديداً صريحاً للمنظومة التراثية و”للنصوص المقدسة”، حيث اعتُبر تفكيك اللغة بمعزل عن القصدية والمؤلف أمراً يُشرّع الباب أمام القراءات العبثية والخطرة.

أما من جهة الماركسيين والمفكرين الملتزمين بقضايا التحرر الوطني، فقد نُظر إلى البنيوية على أنها ترف برجوازيغربي و”مؤامرة شكلانية” تهدف إلى عزل الأديب العربي عن قضايا أمته السياسية والاجتماعية (مثل الاستعمار). واعتبروا أن التركيز على “شكل اللغة” بدلاً من “مضمون الواقع” هو خيانة لدور المثقف العضوي، وتحويل للأدب إلى مجرد لعبة رياضية مفرغة من محتواها الإنساني والثوري.

 

في المحصلة، كانت معركة البنيوية في العالم العربي انعكاساً لأزمة العقل العربي الممزق بين الرغبة في اللحاق بقطار الحداثة العلمية الغربية، وبين الخوف من فقدان الهوية والالتزام السياسي في منطقة تغلي بالصراعات.

 

#النقد_العربي_المعاصر #الحداثة #البنيوية