مفهوم الذرائعية عند جون ديوي 

سالم يفوت

لو وقفت أمام أداة معقدة لا تعرف اسمها ولا تاريخ صنعها، فإن السؤال المنطقي الذي سيطرح نفسه ليس “ما هو جوهر هذه الأداة؟”، بل “بأي طريقة يمكن استخدامها لحل مشكلتي الآن؟”. هذا التحول البسيط في زاوية النظر يشكل البؤرة الأساسية لمفهوم “الذرائعية” (Instrumentalism) الذي ابتكره وطوره الفيلسوف والمربي الأمريكي جون ديوي، ناقلاً به الفلسفة من عوالم التأمل السلبي إلى ميادين الفعل والتشابك المباشر مع الحياة.

 

تأسست الذرائعية لدى جون ديوي كنسخة معدلة وأكثر دقة وصرامة من الفلسفة البراجماتية. وفقاً لهذا المفهوم، فإن العقل البشري ليس جهازاً وظيفته التقاط صور فوتوغرافية ثابتة لعالم مُكتمل وجاهز (ما كان يسميه ديوي بسخرية “نظرية المتفرج في المعرفة”). على العكس، يرى ديوي أن النظريات الفلسفية، والقوانين العلمية، والمعتقدات الأخلاقية، بل وكل فكرة تخطر على بال إنسان، ليست سوى “أدوات” أو “ذرائع”. تم ابتكار هذه الأدوات بهدف واحد ووحيد: مساعدة الإنسان على حل المشكلات التي تعترضه، والتكيف بنجاح مع بيئته الطبيعية والاجتماعية سريعة التغير.

 

في الإطار الذرائعي، تفقد الحقيقة صفتها كمعبود أزلي يجب التقرب إليه، وتصبح أداة عمل قابلة للصيانة أو الاستبدال. الفكرة تُشبه المشرط بيد الجراح؛ قيمتها لا تكمن في ذاتها أو في بريقها المنطقي، بل في قدرتها على إجراء الجراحة بنجاح واستئصال المشكلة. بناءً على ذلك، يرفض ديوي أي تقديس لأفكار الماضي إذا أثبتت عجزها في حاضرنا. إن أسمى مهمة للذكاء الإنساني ليست تفسير الغاز ما وراء الطبيعة، بل التدخل النشط في هندسة المجتمع، وإعادة صياغة مؤسساته التعليمية والسياسية لإنتاج حياة أفضل.

 

لقد شكلت الذرائعية انقلاباً حقيقياً لأنها هدمت الثنائية التقليدية التي فصلت تاريخياً بين “الفكر” و”العمل”. بالنسبة لديوي، المعرفة لا تُستقى إلا من الممارسة، والتجربة المستمرة هي المحك الصارم الذي يصقل أفكارنا. وبهذا، حوّل جون ديوي الفلسفة من كونها ملجأً للمنعزلين يتأملون فيه خلود الأفكار، لتصبح مختبراً حيوياً تُصنع فيه الاستراتيجيات الحية لفك اشتباكات الواقع وحل الأزمات الإنسانية المتجددة.

 

#جون_ديوي #الذرائعية #البراجماتية #فلسفة_العمل