
وَصيّةُ أَبيْ
وَصِيَّةٌ أُخْرَى لِلْحِبْر
.
وَصيّةُ أَبيْ
قَبْلَ أَنْ أَرْتَدِيَ
فُسْتَانَ الْقَصِيدَةِ،
وَتُزَفَّ إِلَى لُغَتِي
مُفْرَدَاتِي..
قَالَ أَبِي:
يَا مَيْسَاءُ..
لَا تَجْعَلِي الْحَرْفَ
أَكْثَرَ عُرْيًا مِنَ الْمَعْنَى…
فَإِنَّ الْقَصِيدَةَ
امْرَأَةٌ مِنْ نَارٍ
وَلَا تَتْرُكِي الْحِبْرَ
يَبُوحُ بِكُلِّ الَّذِي فِيهِ…
فَبَعْضُ الْكَلَامِ
إِذَا قِيلَ
فَقَدَ هَيْبَتَهُ…
وَصَارَ رَمَادًا
عَلَى شَفَتَيِ السُّطُورِ
قَالَ أَبيْ
إِذَا أَحْبَبْتِ
فَلَا تَكْتُبِي الْحُبَّ كُلَّهُ
دَعِي لِلنَّجْمَةِ
سِرًّا لَا تَقُولُهُ لِلسَّمَاءِ
وَدَعِي لِلظِّلِّ
جُزْءًا مِنْ صَاحِبِهِ
فَمَا أَجْمَلَ الْأَشْيَاءَ
حِينَ تَظَلُّ
نِصْفَ يَقِينٍ…
وَنِصْفَ سُؤَالٍ
لَا تَكْشِفِي
كُلَّ أَبْوَابِ قَلْبِكِ
لِلْقَارِئِ..
فَثَمَّةَ غُرَفٌ
خُلِقَتْ
كَيْ يَبْقَى الضَّوْءُ
وَاقِفًا عِنْدَ عَتَبَتِهَا
وَلَا تَجْعَلِي الْقَصِيدَةَ
مِرْآةً كَامِلَةً…
فَالْمِرْآةُ الْكَامِلَةُ
تَفْضَحُ حَتَّى
مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ
أَنْ يُرَى..
ثُمَّ قَالَ:
يَا ابْنَتِي..
كُونِي فِي شِعْرِكِ
مِثْلَ الْمَطَرِ…
يُبَلِّلُ الْأَرْضَ
وَلَا يَرْوِيهَا
دَفْعَةً وَاحِدَةً
كُونِي مِثْلَ النَّارِ…
تُرَى مِنْ بَعِيدٍ
وَلَا تَمْنَحُ سِرَّ اشْتِعَالِهَا
لِكُلِّ عَابِرٍ
فَإِنْ كَتَبْتِ
فَلَا تَبْحَثِي عَنِ التَّصْفِيقِ
ابْحَثِي عَنْ تِلْكَ الرَّجْفَةِ
الَّتِي تُصِيبُ قَلْبَ الْقَارِئِ
حِينَ يَقْرَأُ سَطْرًا
وَيَقُولُ:
«كَانَ يَنْبَغِي
أَنْ أَقُولَ هَذَا
مُنْذُ زَمَنٍ»
قَالَ أَبِي…
وَسَكَتَ…
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ
كُلَّمَا فَتَحْتُ دَفْتَرِي
سَمِعْتُ صَوْتَهُ
خَلْفَ الْحِبْرِ:
يَا مَيْسَاءُ..
لَا تُتِمِّي الْقَصِيدَةَ
حِينَ يُصْبِحُ تَمَامُهَا
خَسَارَتَهَا..
فَبَعْضُ الشِّعْرِ
يَنْجُو
بِمَا لَمْ يَقُلْهُ…
وَبَعْضُ الْقَصَائِدِ
لَا تَكْتَمِلُ
إِلَّا حِينَ يَتْرُكُ الشَّاعِرُ
نَافِذَةً صَغِيرَةً لِلصَّمْتِ.
ميساء دكدوك
رفعت للتصميم













