شَــــرْطُ بِــنْــتِ الـحَـبَّــاسِــي

شَــــرْطُ بِــنْــتِ الـحَـبَّــاسِــي

 

وَمَـضَـى الـزَّمَـانُ بِـجُـرْحِهِ وَالـمَـبْعَدِ

وَالــدَّمُ يَـجْـأَرُ: يَــا أَخِــي مُــدَّ الـيَـدِ

لَـمْ يُثْنِ عَدْلَ الشَّيْخِ سَطْوَةُ غَاصِبٍ

أَوْ خَـدْعَـةُ “الأَيْـدِي الـخَبِيثَةِ” بِـالغَدِ

فَـــإِذَا أَرَادُوا قَــطْـعَ أَصْـــلٍ شَـامِـخٍ

هَـبَّـتْ أُصُــولُ الـعِـزِّ تَـحْمِي مَـوْلِدِي

بَسَطُوا القِمَاشَ عَلَى المُرُوءَةِ وَالوَفَا

فَـــإِذَا بِـمَـهْرِ الـجُـودِ فَــاقَ الـمَـقْصِدِ

قَـالُوا، وَصَـوْتُ الـحَقِّ يَـمْلَأُ سَـاحَنَا:

“شَرْطُ ابْنَةِ الحَبَّاسِ تَمَّ.. فَلْتَشْهَدِي”

عَـــادَتْ بِــعِـزٍّ مَــا انْـتَـهَى، لِـدِيَـارِهَا

وَالـشَّـمْـلُ كُــلِّـلَ بِـالـرِّضَـا وَالـسُّـؤْدَدِ

 

مَهْرُ العَوْدَة.. شَرْطُ بِنْتِ الحَبَّاسِي

 

انتقل فقيه البلدة وقاضيها الصالح إلى جوار ربه، تاركاً وراءه زوجتين، لكل منهما ولد يحمل اسمه. لم تكد أتربة القبر تجف، حتى حزمت الزوجة الثانية —التي كانت غريبة عن الديار— أمتعتها، وأخذت ابنها الأصغر وعادت به إلى بلدتهم البعيدة.

 

بقي الابن الأكبر في بلدة أبيه يرعى أمه، ويكبر ومعه حمل ثقيل كالجبال. كان يواجه وحيداً مخلفات الاستعمار الفرنسي، محاولاً استرجاع أملاك أبيه ومكانته التي سلبتها “الأيادي الحمراء” الخائنة التي باعت ضميرها للمستعمر. ورغم كل تلك المعارك والمصاعب، كان الفراق جرحاً نازفاً في قلبه لا يبرأ؛ كان يشتاق لأخيه الأصغر، ويحاول جاهداً مد حبال الوصل إليه، لكن زوجة أبيه كانت تقطع كل حبل يمدّه، زارعةً الجفاء بين الأخوين.

 

مرت السنوات، وتزوج الأخ الأصغر في غربته. ورغم المسافات الطويلة، كان الأخ الأكبر حاضراً بروحه ودعمه في كل مرحلة من حياة أخيه. ودارت الأيام والشهور، ورزق الأخ الأصغر بطفلة، أسماها تيمناً بأمه: “فاطمة”.

 

كبرت فاطمة الصغيرة، وبلغت سن الزواج. حينها، لمعت في ذهن الأخ الأكبر فكرة عبقرية ليرأب الصدع ويصل ما انقطع؛ أراد أن يعيد دماء أبيه إلى منبتها الأصلي. أخذ يطوف بين رفاقه، وأولاد عمومته، وأهل البلدة سائلاً: “هل منكم من يرغب في الزواج؟ لديّ ابنة أخٍ أريد إحضارها إلى بلدتها الأصلية ومسقط رأس أبيها”، فتقدم إليه شاب من خيرة أبناء عمومته، كفؤ وصاحب مروءة، وقال: “أنا لها يا عمّ”.

 

فرح الأخ الأكبر فرحاً شديداً. حملا معهما ما جادت به أرض بلدتهما الطيبة من خيرات، وتوجها نحو بلدة الأخ. هناك، استقبلهما الأخ الأصغر بالترحاب ووافق على الخطبة، لكن المفاجأة كانت في الجدة المتسلطة (زوجة الأب القديمة) التي كانت تتحكم بمصير الفتاة وأبيها بيد من حديد.

 

حاول الأخ الأكبر إقناعها، وأمام تعنتها، ضغط عليها مهدداً إياها بكلمات زلزلت كيانها: “إن استرجعتُ ما سلبته الأيادي الحمراء منا، فلن أعترف بكِ ولا بابنكِ، وسأشكو تسلطكِ هذا وقطعكِ للرحم أمام شيوخ العروش ليؤنبوكِ ويصغّروكِ أمام القبائل”.

 

خافت الجدة من الفضيحة ووافقت، لكن الخبث قادها إلى حيلة أخرى؛ فاشترطت مهراً تعجيزياً خيالياً، يعجز الأخ الأكبر والشاب الخاطب عن دفعه.

 

عاد الأخ الأكبر ومعه الشاب مكسورَي الخاطر، مطأطِئَي الرأس. وما إن وصلا، حتى شاع الخبر في المدينة وفي القرية التي يقيم بها الشاب. لم يكن النبأ عادياً، بل نزل كالصاعقة على النفوس.

 

اجتمع أهل القرية مع أعيان المدينة في كبرياء وشهامة، وقرروا نفض الغبار عن كرامتهم. قالوا بصوت واحد: “سنجمع مهرها مهما كان المبلغ!”. لم تعد القضية مجرد زواج تقليدي، بل غدت معركة لاسترجاع هيبة بلدة بأكملها، وإحياء واصل الدم الذي بُتر، ولمّ شمل عائلة أراد الخصوم اقتلاع نصفها من جذوره. لم يرضَ أهل البلدة أن يُهان نسل شيخهم وقاضيهم الذي مات على كلمة الحق، ورفض طيلة حياته أن يكون في صف المستعمر الفرنسي ذليلاً.

 

أقيمت مأدبة عشاء مهيبة في “الزاوية” بالبلدة، وأخرى في قرية الشاب. وحضر الرجال والأعيان، وبسطوا في الوسط قطعة قماش كبيرة لتلقّي المساعدات. وبعد العشاء، طُرحت الأموال وبدأوا في عدّها، فإذا بالمبلغ يفوق المهر المطلوب بكثير! تنفس الجميع السعداء، وقال من كان يعد المال كلمةً للتاريخ، بقيت تتردد لسنوات وسنوات في البلدة عند كل يسر وفرج: “الحمد لله.. إكتمل شرط بنت الحباسي”.

 

وفي صباح اليوم التالي، خرج أعيان البلدة ووجهاؤها، ومعهم عم الفتاة، وأهل القرية يتقدمهم الشاب العريس في موكب مهيب. توجهوا إلى بلدة الفتاة، وعيونهم تقدح عزيمة ألا يعودوا إلا وفاطمة معهم. وكان لهم ما أرادوا؛ عادوا بالعروس مرفوعة الرأس، وأقيمت الأفراح ليالي تتلوها ليالي، وامتزجت دموع الفرح بدموع النصر، وعاد الدم إلى مجراه الأصيل.

 

لتظل هذه الحكاية شاهداً حياً على أن المسافات والأحقاد تعجز عن قطع حبال الرحم إذا توفرت الإرادة، وأن كرامة العائلات من كرامة أوطانها؛ فمتى تلاحمت الجماعة انكسر الظلم، وتحول الشرط التعجيزي إلى مثلٍ شعبي يثبت أن أصالة الجذور أقوى من كل عاصفة، وأن إرث المروءة لا يموت.

 

بقلم القصاد القاص” صالح حباسي”

رفعت للتصميم