
وَطَن خَلْفَ الوَطَنِ
وَطَن خَلْفَ الوَطَنِ
كَانَ لِيَ أَرْضٌ وَبِلَادٌ،
وَحُلْمٌ يُسَمَّى وَطَنًا،
يُنَازِعُكَ مَكَانَتَكَ فِي قَلْبِي.
كَانَ لَدَيَّ طَرِيقٌ أَسِيرُهُ،
وَمِدَادُ حُرُوفٍ، وَصَدَى صَوْتٍ،
وَهُتَافَاتٌ تَدُورُ فِي رَأْسِي:
«نَمُوتُ، نَمُوتُ، وَيَحْيَا الوَطَنُ».
أَيْنَ الوَطَنُ؟!
غَابَ الوَطَنُ.
ضَاعَ الوَطَنُ.
وَالوَطَنُ الَّذِي خَلْفَ الوَطَنِ…
مَاتَ الحُلْمُ.
صَرَخَ الصَّدَى بِأَعْلَى صَمْتٍ،
حُرُوفًا خَرْسَاءَ.
فَمَنِ الوَطَنُ؟!
أَنْتِ الوَطَنُ.
لَمْ يَبْقَ لِي سِوَى عَيْنَيْكِ وَطَنًا،
وَشَفَتَاكِ مُسْتَقَرِّي وَسَكَنِي.
أَجَلْ، أَنْتِ الوَطَنُ،
وَحُلْمِيَ الَّذِي لَنْ أَخْسَرَهُ.
أَنْتِ الكَلِمَاتُ الصَّارِخَةُ،
أَنْتِ الحَيَاةُ،
أَنْتِ الأَمَلُ،
أَنْتِ أَنَا.
وَمَنْ أَنَا؟!
صَرْخَةُ رَضِيعٍ فِي مَهْدِهِ،
مِنْ تَحْتِ الرُّكَامِ،
يَبْحَثُ عَنْ نَهْدٍ يُرْضِعُهُ الأَمَانَ.
مَنْ أَنَا؟!
طَائِرٌ حَلَّقَ فَوْقَ الغُيُومِ،
بِلَا جَنَاحٍ،
يَسْتَجْدِي السَّلَامَ.
أَنَا صَحْرَاءُ قَاحِلَةٌ،
بِلَا وَاحَاتٍ،
بِلَا شَمْسٍ،
تَجْرُفُ الرِّيَاحُ رِمَالِي،
وَوَعْدٌ بِمَطَرٍ بَعِيدٍ،
قَدْ يَكُونُ.
مَنْ أَنَا؟!
أَلَمٌ حَلَّ بِقَلْبٍ،
زَلْزَلَ أَعْمَاقَهُ حَتَّى تَصَدَّعَ.
جُرْحٌ نَزَفَ جِرَاحًا،
أَرْضٌ بِلَا سَمَاءٍ،
وَطَنٌ تُحَاصِرُهُ الضِّبَاعُ،
حِصَارٌ خَلْفَ حِصَارٍ، خَلْفَ حِصَارٍ،
أَرَقٌ يُؤَجِّجُ النِّيرَانَ فِي العُرُوقِ.
أَنَا؟!
مَدِينَةٌ…
شَوَارِعُهَا حُبْلَى بِذِكْرَيَاتِ دَمَارٍ
وَحُبٍّ.
أَرْصِفَتُهَا تَئِنُّ مِنَ الوَجَعِ،
أَزِقَّتُهَا تَغُوصُ فِي ظُلُمَاتٍ.
أَنَا صَوْتُ المَدِينَةِ المُثْخَنِ بِالآهَاتِ،
تُنَادِي حَضَارَةَ الأَبْجَدِيَّةِ:
أَنْ احْضُنِينِي،
أَمْسِكِي يَدِي… وَانْتَشِلِينِي مِنْ أَلَمِي.
خُذِينِي إِلَيْكِ.
لَقَدْ فَاضَ الصَّبْرُ،
حَتَّى سَالَ صَبْرًا،
وَفَاضَ صَبْرًا.
أَنَا…
وَجْهٌ بِلَا مَلَامِحَ،
صَدْرٌ بِلَا أَنْفَاسٍ،
قَلْبٌ لَا يَنْبِضُ،
خَرِيطَةٌ بِلَا طُرُقٍ، بِلَا عَلَامَاتٍ.
أَنَا الأَرْضُ
حِينَ تَغِيبُ مِيَاهُهَا،
قَمَرٌ بِلَا شَمْسٍ،
وَزُهُورٌ بِلَا لَوْنٍ، بِلَا رَائِحَةٍ،
حُبٌّ بِلَا مَحْبُوبٍ.
وَتَسْأَلُونَ: مَنْ أَنَا؟!
عُصْفُورٌ غَرَّدَ عَلَى الأَغْصَانِ،
فَأَسْكَتَتْهُ أَصْوَاتُ المَدَافِعِ.
غَيْمَةٌ أَرَادَتْ أَنْ تَبْكِيَ غَيْثًا،
فَمَزَّقَتْهَا أَصْوَاتُ الثَّكَالَى.
وَطِفْلٌ سَرَقُوا أَلْعَابَهُ وَوَالِدَيْهِ.
لَا تَسْأَلُونِي: مَنْ أَنَا،
بَلِ اسْأَلُوهَا.
هِيَ الرُّوحُ وَكَفَى.
هِيَ الفَرَحُ.
هِيَ الأَمَانُ.
هِيَ وَطَنِي.
عِمَاد شَنَّاتِي
رفعت للتصميم













