نبيلة السيد.. فنانة لم تكن تحتاج إلى بطولة كي تخطف القلوب

نبيلة السيد.. فنانة لم تكن تحتاج إلى بطولة كي تخطف القلوب

كتب/خطاب معوض خطاب

حين نتحدث عن نجوم الكوميديا في زمن الفن الجميل، كثيرًا ما تتجه الذاكرة إلى الأسماء الكبيرة التي تصدرت المشهد وقامت بالبطولات، لكن هناك أسماء أخرى لم تكن دوما في المقدمة، ومع ذلك كانت قادرة على أن تخطف الأنظار بمجرد ظهورها، ومن بينها الفنانة نبيلة السيد التي ولدت في مثل هذا الشهر منذ 88 سنة. التي كانت من ذلك النوع النادر من الفنانين الذين لا يحتاجون إلى مساحة كبيرة كي يتركوا أثرًا كبيرًا. يكفي أن تظهر على الشاشة بوجهها المميز وصوتها وطريقتها العفوية في الأداء، حتى يشعر المشاهد أن شخصية يعرفها ويألَفُها قد دخلت إلى الفيلم.

 

ولدت نبيلة السيد في 7 أغسطس 1938 بحارة الشواربي المتفرعة من شارع محمد علي بالقاهرة، ونشأت في بيت قريب من أجواء الفن؛ فوالدها كان متعهدًا للحفلات ويمتلك محلًا للآلات الموسيقية، ولذلك بدأت علاقتها بالفن في سن مبكرة، وشاركت معه في حفلات الزفاف كمغنية. ولعل أجمل ما في حكايتها أنها لم تدخل الفن من باب النجومية السريعة، وإنما مشت إليه خطوة خطوة. ظهرت وهي طفلة في فيلم «غزل البنات» مع نجيب الريحاني، وكانت واحدة من تلامذة الأستاذ حمام، ثم جاءت مرحلة العمل الإذاعي، ومنها «ساعة لقلبك» في خمسينيات القرن العشرين، قبل أن تنتقل إلى المسرح وتبدأ مرحلة الاحتراف الحقيقي.

 

وبعد حصولها على دبلوم المعهد العالي للتمثيل، انتقلت بين عدد من الفرق المسرحية، وكانت مسرحية «30 يوم في السجن» من المحطات المهمة في بداياتها، ومنها بدأت موهبتها تلفت الأنظار بصورة أكبر. لكن نبيلة السيد لم تكن مجرد «كوميديانة» بالمعنى التقليدي للكلمة، فقد كانت تملك قدرة على الارتجال والتلقائية جعلت حضورها مختلفًا. وكان أداؤها المسرحي يتميز بقوة الحضور وخفة الظل والمهارات الأدائية، إلى جانب قدرتها على الارتجال.

 

حاولت أن تقدم شخصيات متنوعة، وهو ما يظهر بوضوح في عدد من أعمالها السينمائية. ففي «خلي بالك من زوزو» قدمت شخصية العالمة بيسة، وفي «الراقصة والطبال» قدمت شخصية قمر، وفي «البحث عن فضيحة» ظهرت في شخصية مسعدة، كما قدمت شخصية ظريفة في «ممنوع في ليلة الدخلة». وهذه الشخصيات، رغم اختلافها، كانت تحمل بصمتها الخاصة. ومن الأشياء اللافتة في مشوار نبيلة السيد تكوينها ثنائيًا فنيًا متكررًا مع الفنان محمد رضا، حيث جمعتهما أعمال عدة في السينما والمسرح والإذاعة، وظهرا في أكثر من عمل في صورة الزوجين أو أفراد الأسرة، الأمر الذي جعل الجمهور يألف وجودهما معًا ويستمتع بالكيمياء الكوميدية بينهما.

 

وكان من الصعب أن تشاهد نبيلة السيد في مشهد ولا تنتبه إليها، حتى لو كان إلى جوارها نجوم كبار؛ لأنها لم تكن تعتمد على رفع الصوت أو المبالغة في الحركة، وإنما كانت تعرف جيدًا كيف تستثمر ملامح وجهها ونبرة صوتها وتوقيت الجملة. ولهذا بقيت بعض شخصياتها ومواقفها في ذاكرة الجمهور رغم مرور عقود على رحيلها. ومن أشهر ما ارتبط بها في ذاكرة المشاهدين عبارتها الكوميدية الشهيرة «عريس يا بوي»، التي ظلت تتردد بين محبي أعمالها. وعلى خشبة المسرح قدمت عددًا كبيرًا من الأعمال، كما تنقلت بين السينما والتليفزيون، وشاركت في أعمال أصبحت جزءًا من ذاكرة الجمهور، إلى جانب أعمال تلفزيونية وإذاعية عديدة.

 

ورغم أن مشوارها الفني لم يكن طويلًا، فإن رصيدها الفني كان كبيرًا، أما حياتها الخاصة، فقد تزوجت في بداية مشوارها الفني من أحد رجال الأعمال، وأنجبت ابنًا وابنة، ثم انفصلت عنه بعد سنوات، وتزوجت بعد ذلك الملحن حسن نشأت، الذي ظل إلى جوارها واهتم بها خلال فترة مرضها. وفي النهاية جاءت الرحلة قصيرة على نحو مؤلم. أصيبت نبيلة السيد بمرض السرطان، ورحلت عن عالمنا في 30 يونيو 1986، وهي في الثامنة والأربعين من عمرها تقريبًا. رحلت نبيلة السيد، لكن الشخصيات التي قدمتها لم ترحل. فكلما ظهر وجهها على شاشة التلفزيون، عاد صوتها، وعادت ضحكتها، وعادت معها ملامح زمن كان للفنان فيه حضور خاص، وكان الدور الصغير يمكن أن يصنع نجومية لا تنسى.

 

والحقيقة أنها لم تكن من الفنانات اللاتي احتجن إلى البطولة المطلقة حتى يخلدن. كانت بطولتها الحقيقية في قدرتها على أن تجعل المشهد الذي تظهر فيه يُحفظ، وأن تجعل الشخصية التي تؤديها تعيش بعد انتهاء الفيلم والمسرحية. وهذا هو الفارق بين فنان يظهر في عمل فني، وفنان يترك أثرًا في ذاكرة الناس. ونبيلة السيد كانت من هؤلاء الذين تركوا أثرًا.

رفعت للتصميم