“عرس زنقة القاهرة” في محفَل السرد المغربي …

صادحٌ بحكايات الهامش .. عبد الحق السلموتي يقيم “عرس زنقة القاهرة” في محفَل السرد المغربي

 

بقلم : طارق الأسمر

 

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات وتتوارى فيه التفاصيل الصغيرة لحياتنا اليومية، يأتي الكاتب والمبدع المغربي عبد الحق السلموتي ليعيد ترميم الذاكرة الشعبية، ويهدي المشهد الأدبي مولوده القصصي المعنون بـ “عرس زنقة القاهرة”. كتابٌ لا يكتفي بمنح القارئ متعة الحكي، بل يورطه في تجربة جمالية وإنسانية تمشي على الخيط الفاصل بين الواقعية الصحفية والتحليق السردي.

 

حيث تتحول «زنقة القاهرة» في هذه المجموعة من مجرد إحداثيات جغرافية أو اسمٍ على لوحة معدنية باهتة، إلى كائن حي يتنفس، يفرخ الحكايات، ويتسع ليشمل العالم بأسره. كما يمارس السلموتي عين “الرسام السردي”، فيلتزم بالتقاط ما لا تراه العين العابرة، من صرير الأبواب الخشبية القديمة، وروائح التوابل المنبعثة من النوافذ المواربة، وثقل الظلال في المساءات المتعبة، وضحكات البسطاء التي تغالب مرارة اليومي.

 

كما أن شخوص المجموعة ليسوا أبطالاً خارقين، بل هم أبناء “الهامش” النبلاء، الباعة الجائلون، العابرون في الأزقة، والنساء اللائي يحملن شقاء البيوت بابتسامة خفية. ينفذ الكاتب إلى أعماقهم النفسية بلطفٍ شديد، مبرزاً ذلك الصراع الصامت بين التشبث بالأصل والاصطدام بمتطلبات العصر.

 

وتعتمد الأقاصيص على كثافة اللقطة وبلاغة التكثيف، إذ يستغني السلموتي عن المباشرة والخطابية لصالح صياغة أدبية تنبض بالحيوية. وتتبدى قوة قلم عبد الحق السلموتي في قدرته على توظيف “المفارقة”، فالعرس الذي يعنونه في الغلاف ليس مجرد احتفال بالمعنى التقليدي، بل هو “استعارة” للبهجة المقتنصة من قلب الشقاء، وحفلة تنكرية تتلاقى فيها الأحزان والمكابدات لتتزين بزي الفرح.

 

كما تمتاز لغة المجموعة بنسجٍ حوارٍ حيوي ينهل من منطق الشارع وروح الحارة المغربية، دون الوقع في ابتذال اللفظ، مما منح النص أصالةً واقعية ونفساً أدبياً رصيناً في آنٍ واحد.

 

فإن “عرس زنقة القاهرة” ليست مجرد قصص تُقرأ وتطوى، بل هي شهادة جيلية واحتفاءٌ صادق بالروح المغربية في أصفى تجلياتها. لقد نجح عبد الحق السلموتي في أن يجعل من “القصة القصيرة جداً” و”الأقصوصة” نافذة واسعة نطل منها على ذواتنا، ونعيد عبرها اكتشاف ما أهملناه في زحام الحياة.

 

فهي مجموعةٌ تثبت أن الأدب حين يلتصق بالأرض والناس، يتحول إلى وثيقة خالدة تعصم الذاكرة من النسيان، وتؤكد أن في كل زقاقٍ مهجور عرسًا لم يُكشف عنه النقاب بعد …

رفعت للتصميم