« بين الحلم والانكسار » جدليّة الحبّ والوهم …

بين الحلم والانكسار: جدليّة الحبّ والوهم في نصّي الدكتور حمد حاجي

 

قراءة نقديّة

 

يقدّم الدكتور حمد حاجي في نصَّيه «أميرتي النّائمة» و*«قارورتي الفارغة»* مشهدين متقابلين يبدوان منفصلين في الظّاهر، لكنّهما في العمق يشكّلان حكاية إنسان واحد يتأرجح بين الحلم والخيبة، وبين الحبّ بوصفه خلاصًا، والوهم بوصفه مهربًا من الواقع.

 

في نصّ «أميرتي النّائمة» يطلّ العاشق من نافذة الانتظار. فالحبيبة هنا ليست مجرد امرأة، بل حالة من السّكينة المنشودة، وحلم بعيد يطارده الشّاعر كما تطارد الفراشة الضّوء. تبدأ القصيدة بصورة لافتة:

 

«كما قطّة في سرير… يؤرّقني نومها واستدارتها في الرّقاد»

 

وهي صورة تجمع بين الرّقّة والألفة والافتتان، إذ تتحوّل الحبيبة إلى كائن وديع يملأ المكان حضورًا حتّى وهو غارق في النّوم. لكن هذا الحضور لا يبدّد الوحدة، بل يزيدها عمقًا، فيصبح العاشق أسيرًا للانتظار ولرنين الهاتف الّذي يعرف مسبّقًا أنّه لن يلقى جوابًا.

 

وتتجلّى قوّة النّصّ في مزجه بين اليومي والشّعريّ؛ فالشّوارع، والزّقاق، والمتسوّلة، وزحام الطّريق، كلّها عناصر واقعيّة تدخل القصيدة لتمنحها صدقًا إنسانيًا، وتجعل الحبّ متداخلًا مع تفاصيل الحياة لا منفصلًا عنها.

 

أمّا في «قارورتي الفارغة» فإن الصّورة تنقلب رأسًا على عقب. فإذا كانت الحبيبة في النّصّ الأوّل حلمًا بعيدًا يوقظ الشّوق، فإنّها هنا ذكرى مطعونة بالغياب، تدفع البطل إلى الارتماء في أحضان القوارير الفارغة. ويتجلّى البعد الرّمزيّ للنّصّ حين تتحوّل زجاجة الخمر إلى بديل متخيّل للحبيبة:

 

«فخلتها امرأة ترقد على ضوء الشّموع».

 

هنا يبلغ الوهم ذروته؛ فالعاشق لم يعد يبحث عن المرأة نفسها، بل عن ظلالها المنعكسة في الأشياء. إنّه لا يعانق الحقيقة، بل ما تبقّى منها في الذّاكرة.

 

ويحسب للشّاعر قدرته على بناء مفارقة مؤثّرة بين القارورة الفارغة والقلب المفتوح؛ فبينما أغلقت الخمارات أبوابها، ظلّ باب القلب مفتوحًا وموجوعًا. وهي صورة تختزل مأساة النّصّ كلّها؛ إذ إن الإنسان قد يتخلّص من أسباب ضعفه الظّاهرة، لكنّه يعجز عن إغلاق أبواب الحنين.

 

فنّيًا، يعتمد النّصّان على لغة شفّافة سهلة الوصول، لكنّها محملة بإيحاءات رمزيّة متعدّدة. كما يبرز التّكرار بوصفه أداة موسيقيّة ودلاليّة تعكس الإلحاح النّفسيّ لدى المتكلّم، سواء في الانتظار أو في استدعاء الذّكريات.

 

واللّافت أنّ القطّة تعود في النّصّين بصورتين مختلفتين؛ ففي الأوّل رمز للأنوثة الهادئة والحضور الجميل، وفي الثّاني تظهر داخل الحلم، وكأنّ الشّاعر يؤكّد أنّ ما كان واقعًا في الماضي أصبح مجرّد طيف يزور الذّاكرة في المنام.

 

في المحصلة، لا يكتب الدّكتور حمد حاجي قصيدتين منفصلتين، بل يرسم مرحلتين من رحلة العاشق: مرحلة الحلم والانتظار في «أميرتي النّائمة»، ومرحلة الانكسار والتّعلّق بالذّكريات في «قارورتي الفارغة». وبين المرحلتين تتجسّد حقيقة إنسانيّة مؤلمة؛ فبعض الأحبّة يغادرون المكان، لكنّهم يواصلون الإقامة طويلًا في القلب.

 

قراءة نقدية بقلم: الكاتبة ھدى حجاجي أحمد.

رفعت للتصميم