تَرَاتِيلُ المِعْرَاجِ

تَرَاتِيلُ المِعْرَاجِ وَأَطْيَافُ الوَفَاءِ

بقلم الشاعر الدكتور: عماد الشلبي

مَالِي أُنَادِي حَبِيبًا لَا يُجِيبُنِي … وَالشَّوْقُ فِي جَسَدِي كَالنَّارِ يُحْرِقُنِي

أَرْسَلْتُ رُوحِي مَعَ النَّسْمَاتِ زَائِرَةً … لَعَلَّ طَيْفَ الرِّضَا بِالْوَصْلِ يُسْعِدُنِي

أَمْسَى فُؤَادِي بِبَابِ السُّهْدِ مُغْتَرِبًا … تَمْضِي الْفُصُولُ وَأَمْنُ الْقَلْبِ يَهْجُرُنِي

أَشْكُو إِلَيْكَ لَهِيبًا بِتُّ أَجْرَعُهُ … كَأَنَّ حُزْنَ الْوَرَى بِالْبَيْنِ طَوَّقَنِي

رُوحِي تَهَاوَتْ عَلَى أَعْتَابِ فُرْقَتِكُمْ … وَالدَّمْعُ بَعْدَكُمُ كَالْغَيْثِ يَسْكُبُنِي

كَمْ بِتُّ أَرْسُمُ فَوْقَ الْغَيْمِ مَوْطِنَنَا … فَكَيْفَ يَرْحَلُ عَنْ عَيْنِي وَيَتْرُكُنِي؟

يَا غَائِبًا وَخَيَالُ الْحُسْنِ يَرْقُبُنِي … هَلْ لِلِّقَاءِ مَدًى بِالْقُرْبِ يَعْدِلُنِي؟

يَا مَنْ غَدَا صَوْتُهُ فِي الرُّوحِ يَسْكُنُنِي … حُبٌّ تَسَامَى عَنِ الدُّنْيَا وَيَرْفَعُنِي

أَرْسَلْتُ لِلشَّوْقِ كَيْ لَا نَلْتَقِي شَغَفًا … فَاضَتْ رَسَائِلُهُ بِالْوَجْدِ تُطْرِبُنِي

بَابُ الْوِصَالِ الَّذِي أَرْقَبْتَ لَهْفَتَهُ … مَازَالَ يَنْبِضُ بِالذِّكْرَى وَيُنْجِدُنِي

أَسْمَعْتُ قَلْبِي نِدَاءَ الرُّوحِ مُعْتَرِفًا … أَنَّ الْحَنِينَ بِلَا لُقْيَاكَ يُؤْلِمُنِي

لَوْ كَانَ يَعْلَمُ طُولَ اللَّيْلِ مَا صَنَعَتْ … فِيهِ الشُّجُونُ، لَجَاءَ الْيَوْمَ يَرْحَمُنِي

عَيْنَاكَ لَمْ تَعْرِفِ التَّسْهِيدَ حَائِرَةً … إِلَّا لِأَنَّ ضِيَاءَ الْفَجْرِ يَرْقُبُنِي

الرُّوحُ تَصْدَقُ فِيهَا حِينَ نَعْزِفُهَا … لَحْنًا مِنَ الْوَجْدِ فَوْقَ الْمَوْتِ يَعْبُرُنِي

مَا جَارَتِ الْأَرْضُ إِلَّا كَيْ تُلَقِّنَنَا … أَنَّ الْفُؤَادَ بِغَيْرِ الْحُبِّ كَالْوَثَنِ

يَا سَاكِنَ الْقَلْبِ صَبْرًا إِنَّنَا شُهُبٌ … نَقْضِي الدُّجَى وَسَنَا الْإِيمَانِ يَحْرُسُنِي

لَوْ كَانَ يَعْلَمُ كُلُّ النَّاسِ لَذَّتَنَا … لَجَاءَ جَمْعُهُمُ بِالدَّمْعِ يَسْمَعُنِي

يَا لَائِمِي فِي هَوَى مَنْ غَابَ مَسْكَنُهُ … صَمْتُ الْمَحَبَّةِ عَنْ عَيْنَيْكَ يَحْجُبُنِي

جَارَ الزَّمَانُ وَمَا كَفَّتْ مَوَاجِعُهُ … فَالْعِشْقُ غَيْبٌ فَوْقَ الْقَوْلِ وَالظَّنَنِ

لَا تَلْأَمِ الْعِشْقَ إِنْ غَابَتْ مَلَامِحُهُ … فَالعِشْقُ غَيْبٌ عَنِ الْأَوْهَامِ وَالظَّنَنِ

هَذَا الْحَنِينُ بِأَعْمَاقِي لَهُ نَفَسٌ … يَغْزُو الضُّلُوعَ وَفِي الْأَحْشَاءِ يَأْسِرُنِي

لَا تَحْسَبِ الْبُعْدَ يُطْفِئُ نُورَ جَذْوَتِنَا … طُولُ النَّوَى فِي مَدَارِ الْعِشْقِ يَجْمَعُنِي

قُرْبُ الْقُلُوبِ نَقَاءٌ فِي سَرَائِرِنَا … وَمَا مَسَافَاتُ هَذَا الْكَوْنِ بِالْفِطَنِ

مَا الْبُعْدُ إِلَّا صِهْرٌ لِلْقُلُوبِ بَدَا … كَالتِّبْرِ يُنْقَى بِلَسْعِ النَّارِ فِي الْفِتَنِ

تَبْقَى النَّضَارَةُ لِلتَّبْرِ الَّذِي صُهِرَتْ … أَجْزَاؤُهُ فِي لَهِيبِ النَّارِ لَمْ يَكُنِ

دَعْ عَنْكَ وَصْفَ جَمَالٍ بِالْعُيُونِ يُرَى … فَالْقَلْبُ يَعْرِفُ مَنْ بِالْحُبِّ يُلْهِمُنِي

خُذْ لَذَّةَ الْكَوْنِ مِنْ رُوحٍ مُطَهَّرَةٍ … فَالرُّوحُ تُبْصِرُ مَا الْأَبْصَارُ تَحْرِمُنِي

إِنَّ الْحَيَاةَ بِلَا عِشْقٍ نَعِيشُ بِهِ … كَالْقَبْرِ ضِيقًا وَذَا الْمَعْشُوقُ يَدْفِنُنِي

عِشْ بِالْغَرَامِ فَإِنَّ الْعُمْرَ لَوْ خَلَتِ الْـ … أَكْوَانُ مِنْهُ لَكَانَ الْقَبْرُ يَدْفِنُنِي

وَالدَّهْرُ لَوْ دَارَ كَالْأَرْحَاءِ طَاحِنَةً … يَبْقَى الْوَفَاءُ حِمًى لَا لَيْسَ يَخْذُلُنِي

صَبَّ النَّدِيمُ كُؤُوسَ الْوَجْدِ مُعْتَصِمًا … بِاللَّهِ نَأْوِي إِذَا مَا الدَّهْرُ يَعْجِلُنِي

يَا سَاكِنَ الْقَلْبِ صُنْ عَهْدَ الْوِفَاءِ لَنَا … إِنَّ الْوَفَاءَ بِمِيقَاتِ النَّوَى سَكَنِي