مدرستان غيرتا المسار الادبي« الحواس الخمس والغارة الشعرية » …

مدرستان غيرتا المسار الادبي

 

الحواس الخمس- والغارة الشعرية

 

 

 

 

ولمّا أخذت المدارس الشعرية الكبرى تستنفد كثيرًا من إمكاناتها، وتُعيد في الغالب إنتاج أسئلتها وصيغها ومرجعياتها، انفتحت التجربة الشعرية المغربية على آفاق جديدة من البحث والتجريب، فظهرت حركات أدبية سعت إلى زحزحة المألوف، ومساءلة الجاهز، واستكشاف مسالك أخرى للكتابة والقول، ومن بين هذه الحركات برزت حركة الحواس الخمس بمدينة الدار البيضاء سنة 1984، كما برزت الغارة الشعرية بمدينة مراكش في مطلع تسعينيات القرن العشرين، فكانتا معًا علامتين بارزتين في مسار الحداثة الشعرية المغربية(8).

 

أما حركة الحواس الخمس فقد جعلت من الشعر معراجًا للمعرفة، ومن اللغة مجالًا للمكاشفة، ومن الحواس منافذ إلى إدراك المعنى واستبطان خفايا الوجود، فلم تنظر إلى الحواس بوصفها أدوات للإدراك المادي فحسب، فقد نظرت باعتبارها جسورًا تعبر بالذات من عالم الظاهر إلى عالم الباطن، ومن حدود الواقع إلى رحابة الرؤيا، ومن ثم اقترنت تجربتها بنزوع تأملي وصوفي، يتوسل الرمز والإيحاء، ويحتفي بالدهشة والكشف والحدس(9).

 

وأما الغارة الشعرية فقد جاءت بروح متمردة ونَفَسٍ احتجاجي، رافضةً الانصياع للأشكال المستقرة والتصورات الجاهزة، وساعيةً إلى خلخلة اليقينيات الفنية والثقافية السائدة. لذلك اختار روادها أن يجعلوا من الشعر فعل اقتحام لا فعل امتثال، ومن الكتابة أفقًا للمغامرة لا مجالًا للتكرار، فكانت قصائدهم مشدودة إلى الحرية، مأخوذة بهاجس التجاوز، ومفتوحة على أسئلة الذات والواقع واللغة(10).

 

وإذا كانت الحواس الخمس قد آثرت سكون التأمل على ضجيج المواجهة، وآمنت بأن الحقيقة تُدرك بالمكاشفة أكثر مما تُنال بالمغالبة، فإن الغارة الشعرية اختارت طريق الصدام الخلاق، وجعلت من التمرد وسيلة لإعادة بناء الرؤية وتوسيع حدود التعبير. غير أن الحركتين التقتا في غاية واحدة، هي الانتصار لحرية الإبداع، وتحرير القصيدة من القيود الموروثة، وترسيخ الشعر بوصفه تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة الوجود والمعرفة والجمال(11)

 

 

 

 

الهوامش المضافة

 

 

أحمد بلحاج آية وارهام، الشعر العربي المعاصر في المغرب: رهاناته ومنطقة تلاقي أشكاله، منشورات أفروديت، مراكش، 2010. �

 

Open Library

 

أحمد بلحاج آية وارهام، المرجع نفسه، وانظر كذلك الدراسات التي تناولت التجارب الشعرية المغربية الجديدة في الثمانينيات والتسعينيات. �

 

Open Library

 

شهادة سعد سرحان حول تأسيس الغارة الشعرية، وجريدة هسبريس، “سعد سرحان يتذكر الغارة الشعرية”، 2022. � وكذلك المعطيات الواردة حول تأسيس مجلة الغارة الشعرية وأعضائها المؤسسين. �

 

هسبريس

 

panet.com +١

 

أحمد بلحاج آية وارهام، الشعر العربي المعاصر في المغرب: رهاناته ومنطقة تلاقي أشكاله، مرجع سابق. �

 

Open Library

 

 

 

للاإيمان الشباني