
طفولةُ الذّكاء الاصطناعيّ ألزهايمر العرب
جمعتُ كلَّ أسماءِ السيفِ وحفظتُها، وأنا لم أرَ سيفًا في حياتي.
وجمعتُ كلَّ أسماءِ الأسدِ، ولم أشاهدْ أسدًا واحدًا.
وحفظتُ ألقابَ الثّعلبِ، وابنَ آوى، وكلَّ ما يتحرّكُ في كتبِ العلومِ ظَهرًا عن قلب، كأنَّ الذّاكرةَ بديلٌ عنِ التّجربةِ، وكأنَّ العالمَ يُعاشُ بالحفظِ لا بالحياة.
وحفظتُ أنواعَ التّربةِ: الرّمليّةَ والطّينيّةَ والكلسيّةَ، بينما لم أكنْ أملِكُ مترًا واحدًا من الأرضِ أختبرُ عليه ما حفظتُه.
وحفظتُ تعريفَ الغابةِ ومِساحاتِها وأنواعَ أشجارِها، فيما لم أرَ سوى شجرةٍ بعيدةٍ عن بيتِنا، تُقيمُ وحدَها بمرارة، ربّما نسِيَتْها فأسُ الحضارة.
وحفظتُ أسماءَ أنهارِ لبنانَ والعالمِ بأسرِه، وأنا منذ طفولتي أسمعُ جدّي وأمّي وأبي يَشكونَ منِ انْقطاعِ الماءِ صيفًا، وفيضانِ الطّرقاتِ شتاءً، فكأنَّ الماءَ يُحفَظُ في الكتبِ أكثرَ ممّا يجري في الأنابيب.
ولا أزالُ أذكرُ كيف كنتُ أستظهرُ مشاريعَ اللّيطاني استعدادًا للامتحانِ، وكيف كان جدّي يسبقُني في اسْتظهارِها فرِحًا بذاكرتِه، ثم يُسرعُ أبي مبارِزًا إيّاهُ في تِردادِها، حتّى خُيِّلَ إليَّ أنَّ نهرَ اللّيطاني من أملاكِ عائلتي الموروثة.
ناهيكَ عنِ الجبالِ الّتي كنتُ أحشو بها ذاكرتي كما تحشو أمّي الكوسى والباذنجان، فتضغطُها جيّدًا كي لا يتسرّبَ منها شيءٌ.
وحين خرجتُ إلى الحياة، لم أرَ إلّا السّاحلَ وقريةَ عمّتي الّتي ترتفعُ ثلاثمائةَ مترٍ عن سطحِ البحرِ، فكنتُ عندما أزورُها أحسَبُ نفسي أتسلّقُ قِمّةَ إيفرست، واكتشفتُ أنَّ الجغرافيا أيضًا لها حدودُ الذّاكرةِ لا حدودُ الأرض.
كما حفظتُ أسماءَ المدنِ والمحافظاتِ والأقضيةِ من أقصى الشّمالِ إلى أقصى الجنوب، ولم أعرفْ في الواقعِ سوى حُفَرِ الطّريقِ المؤدّيةِ إلى بيتنا، والّتي أسيرُ عليها وأنا مغمضُ العينين.
وقد حفظنا رسمَ الخرائطِ كأنّنا مهندسون ومسّاحون وقادةُ جيوشٍ في آنٍ واحد.
والويلُ لِمَنْ يخلُّ بالقياس، أو يُحرّكُ خطًّا عن موضعِه، أو يزيدُ مليمترًا أو يُنقِصُ آخرَ، فتقومُ الأرضُ وتَقعُدُ، كأنّنا نقتطعُ أراضيَ من حدودِ العالم، أو نرسمُ حدودَ دولٍ جديدة، أو نؤسّسُ لحربٍ عالميّةٍ.
وأيضًا حفظتُ قواعدَ النّحوِ والصّرفِ كأنّي موظّفٌ رسميٌّ في دائرةِ الإعرابِ الكبرى، حتّى صار سيبويهُ يسكنُ دفاترَنا أكثرَ ممّا يسكنُ لغتَنا،
فنطاردُ أخطاءَ الإعرابِ كما تطاردُ الشّرطةُ الفارّين من العدالة، ونعيشُ في خوفٍ دائمٍ من حركةٍ ضاعَتْ أو ضَمّةٍ سقطَتْ سهوًا.
والويلُ لمن أخطأَ في جملةٍ، فكأنّه أسقطَ دولةً أو تسبّبَ في أزمةٍ دستوريّة.
وحفظنا ألفيّةَ ابنِ مالكٍ وشروحَها، وأمضينا ساعاتٍ طويلةً نبحثُ عن خبرِ كان، بينما لم يسألْنا أحدٌ يومًا عن خبرِ قُوْتِنا اليوميّ.
وكنّا نُتقنُ إعرابَ الوطنِ لفظًا بحسبِ موقعِه من الجملة، دون أن نعلمَ موقعَنا فيه.
وأغربُ ما في الأمرِ أنَّ كلَّ مَن يعيشُ فوقَ أرضِه يعيشُ حُرًّا على هواه، بينما هو عاطلٌ عن الحرّيّة.
ولا أنسى الكواكبَ والنّجومَ الّتي كان علينا مراعاةَ حٍفظِها تدريجيًّا، والويلُ لمن أخطأَ ترتيبَها، فيختلُّ النّظامُ الكونيُّ ويُحدثُ كارثةً فضائيّةً.
أمّا متصرّفو جبلِ لبنان، فكانوا امتحانًا من نوعٍ سياسيٍّ آخر، فمَنْ بدّل اسمًا أو ترتيبًا، كان الصّفرُ بانتظارِه.
كما حفظتُ عددَ سكّانِ دُولٍ لم أسمعْ بها وأنا أجهلُ عددَ وأسماءَ سكّانِ البنايةِ الّتي أسكنُها.
وما بين الرؤوسِ والخلجان، كنّا لا نشعرُ بالأمان، فكلُّ شيءٍ للامتحان، ونحن يتعذّرُ علينا الجلوسُ على شاطئِ البحرِ لعدمِ توفّرِ المالِ.
لم يكنْ مطلوبًا منّا أنْ نرى النّهرَ، بل أنٌ نعُدَّ روافدَه، ولا أنْ نصعدَ الجبلَ، بل أنْ نذكرَ ارتفاعَه،
وكأنّ المعرفةَ رحلةٌ إلى الذّاكرة، لا إلى الأماكنِ.
ولستُ أدري لماذا كان أستاذُنا آنذاك مولعًا بأنْ نتحوّلَ إلى قاموسٍ، نبتلعُ كلماتِهِ حرفًا حرفًا دون أنْ نفهمَ؟!
أَكانَ سابقًا لعصرِه، ويُهيّئُ ذاكرتَنا لزمنِ الذّكاءِ الاصطناعيِّ من حيثُ لا يدري؟
لقد كُنّا نحفظُ كلَّ شيءٍ خوفًا من النّسيانِ، ثم ننساهُ بعد الامتحانِ بيومٍ واحدٍ، حتّى بدا الطّالبُ المتفوّقُ أشبهَ بمستودَعٍ منظِّمٍ للمعلوماتِ، كالرُّوبوتات.
لذٰلك كان الامتحانُ يقيسُ مقدارَ ما استطعنا حَملَه فوق ظهورِنا، حيثُ كنّا نخرجُ من الصّفوفِ مُثقَلين بالمعلوماتِ، وخفيفين من التّجارِبِ.
واليوم، حين أرى الذكاءَ الاصطناعيَّ يُجيبُ عن آلافِ الأسئلةِ في ثوانٍ، أشعرُ أحيانًا أنّنا كنّا نتدرّبُ عليه لنحُلَّ محلّهُ منذ عقودٍ، والفرقُ الوحيدُ بيننا أنّه يمتلكُ ذاكرةً إلكترونيّةً ضخمةً، أمّا نحن فكنّا نحملُ النّسخةَ الورقيّةَ منها على أكتافِنا الصّغيرةِ.
وفي كلِّ ذٰلك، كان سؤالٌ خفيٌّ يكبرُ معنا:
هل كنّا نتعلّمُ لنفهمَ العالمَ، أم لنُعوِّضَ غيابَه داخلَنا؟عايدة قزحيّا
“مقالة تربويّة”












