ألوان الأمل في دمر: حوار صحفي مع الفنان عمر المدني حول مبادرة الرسم لأطفال الحي

بقلم : سلمى صوفاناتي.. سورية

 

يمثل العمل الإنساني التطوعي الموجه للأطفال ركيزة أساسية في بناء مجتمعات متعافية، إذ لا تقتصر مفاعيله على تقديم الدعم المادي، بل تمتد لتلامس الوجدان وتصقل المواهب الغضة. وفي هذا الإطار، وتجسيداً للتلاحم المجتمعي والمسؤولية الإنسانية، شهد حي دمر الدمشقي مبادرة فنية مميزة، تجلت في دورة رسم تخصصية للأطفال، نظمتها بتعاون مشترك “جمعية الشباب الخيرية” و”جمعية دمر الخيرية”.

المبادرة التي انطلقت حاضنةً للأطفال الأيتام، سرعان ما اتسعت آفاقها لتستقطب شريحة أوسع من أطفال الحي، وسط أجواء تفاعلية أمنّت فيها الجمعيتان كافة المستلزمات من كراسات وألوان وأقلام. وللوقوف على أبعاد هذه التجربة وأهدافها التربوية والفنية، التقينا الفنان المسؤول عن الدورة، الأستاذ عمر المدني، الذي أطلعنا على كواليس هذا العمل الإنساني الشغوف.

من الرعاية الإنسانية إلى التوسع المجتمعي

استهل الفنان عمر المدني حديثه بالإشارة إلى الجذور الأولى للمبادرة وطبيعة الشراكة القائمة، موضحاً أن العمل الذي تستضيفه المنطقة هو ثمرة تنسيق مشترك ومتكامل بين جمعية الشباب وجمعية دمر الخيرية.

وبيّن المدني أن الدورة صُممت في منطلقها خصيصاً لرعاية ودعم الأطفال الأيتام في حي دمر الدمشقي، إلا أن المخرجات والإقبال الاستثنائي غيرا المسار؛ إذ تابع قائلاً: «بعد الإقبال الكبير والشغف اللافت الذي التمسناه من قِبل الأطفال في أيام الدورة الأولى، رغبنا في توسيع دائرة العمل المشترك، لإتاحة الفرصة أمام جميع أطفال هذا الحي العريق لتفريغ طاقاتهم ومواهبهم الفنية، وتحويل الدورة إلى مساحة ترفيهية متكاملة».

شغف الطفولة وأسرار الألوان

وفي معرض حديثه عن الجانب الفني والتفاعلي، أكد المدني أن دورات الرسم للأطفال تحمل في جوهرها طابعاً ترفيهياً محبباً، مشيراً إلى أن الصغار يملكون فضولاً فطرياً ورغبة عارمة في تأمل اللوحات، وتصميم الأعمال الكرتونية والبسيطة.

وأضاف: «لدى هؤلاء الأطفال شغف حقيقي لمعرفة تفاصيل المهنة؛ يسألون باستمرار عن طريقة صياغة العمل الفني، وكيفية الرسم، والأسلوب الأمثل لاستعمال الألوان وتوظيف الأدوات. هذا التفاعل يضفي على قلوبهم متعة خاصة، تجعلهم يستمتعون بكل أداة تقع بين أيديهم، وتحول التعلم إلى حالة من البهجة اليومية».

من شاشة التلفزيون إلى ورشات العطاء

وعن خلفيته في التعامل مع عالم الطفولة، استذكر المدني تجاربه الإعلامية السابقة، واصفاً إياها بالركيزة الأساسية في مسيرته؛ حيث قال: «سبق لي العمل في مجال تقديم برامج الأطفال، وكانت تجربة رائعة وفريدة من نوعها بكل المقاييس. لقد منحتني تلك المرحلة متعة حقيقية في فهم سيكولوجية الطفل وكيفية التعامل معه، لاسيما عندما أنجح في زرع الضحكة والابتسامة على وجوههم البريئة، وتزويدهم بجرعات مكثفة من الأفكار والمعلومات المفيدة».

واستطرد في السياق ذاته، محدداً المنهجية التربوية الواجب اتباعها في هذه السن المبكرة: «من الضروري بمكان التركيز على تقديم أفكار مبسطة تناسب الفئات العمرية المستهدفة كخطوة أولى تلبي احتياجاتهم الذهنية، مع ضرورة الابتعاد التام عن تعليمهم أي رسوم قد تذكرهم بمظاهر العنف والحروب، كالصواريخ والمعدات العسكرية».

عبق الياسمين وتاريخ سوريا المشرق

وحول البدائل البصرية الفعالة لبناء وعي طفلي سليم، شدد الفنان عمر المدني على أهمية الرموز الطبيعية والتراثية، لافتاً إلى أن عناصر مثل الورود، الأزهار، الأنهار، الكواكب، الأشجار، والزوارق، تبث في أنفس النشء طمأنينة وبهجة لا حدود لهما.

وأردف المدني موضحاً ربط الفن بالهوية الوطنية: «لقد ركزت في برنامجي الحالي على إدخال عنصر الهوية البصرية من خلال الآثار السورية العريقة، مقدماً للأطفال معلومات ثقافية مبسطة وموثقة عن حضارة بلادهم، مثل قلعة الحصن الشامخة، والجسر المعلق في دير الزور، ونواعير حماة التاريخية، والجامع الأموي الكبير بدمشق، وغيرها من المعالم التي ترسخ الانتماء الفكري والثقافي لديهم».

رسائل شكر وامتنان

وفي ختام الحوار، حرص الفنان عمر المدني على توجيه باقة من برقيات الشكر والتقدير للجهات والشخصيات التي ساهمت في إنجاح هذا المحفل الإنساني؛ حيث توجه بالشكر الجزيل لـ “جمعية دمر الخيرية” و”جمعية الشباب الخيرية” اللتين أخذتا على عاتقهما تهيئة البيئة والمكان المناسب المتسع للأعداد الكبيرة من الأطفال، فضلاً عن تأمين وتقديم أدوات رسم متكاملة لكل طفل مشارك، مجدداً وصفه للمبادرة بأنها “بادرة طيبة وخيرة تحسب للقائمين عليها”.

كما أعرب المدني عن خالص امتنانه وسعادته بالدعم الإعلامي المواكب، موجهاً تحية تقدير خاصة للدكتور الإعلامي أشرف كمال، رئيس تحرير صحيفة “الرواد نيوز” الدولية، ولجمهورية مصر العربية الشقيقية على احتضانها ودعمها للمنابر الفكرية، لينتهي بشكر الصحفية سلمى صوفاناتي التي تولت إعداد وإجراء هذا الحوار بصياغته المهنية الراقية.