الفرقة الناجية

بقلم منير عكاشة Mounir Akacha

.

يقتاتون على فتات اليقين، يلوكون الحقيقة كعلكةٍ رخيصةٍ فقدت طعمها منذ دهور، ثم يبتلعونها بوقارٍ كاذب. الفرقة الناجية ليست تلك التي عبرت الصراط المستقيم، بل تلك التي أتقنت فن السباحة في مستنقع الأكاذيب دون أن تبتل ثيابها، أو هكذا يوهمون أنفسهم أمام المرايا المكسورة. إنهم يعبدون خرائط رسمها عميانٌ في ظلامٍ دامس، ويطلقون على التخبط “سيرةً ذاتية”.

 

يصطفون في طوابير الانتظار، لا طلباً للجنة، بل هرباً من مواجهة أنفسهم في المرايا. يرتدون أقنعة الزهد والتقوى، بينما تلهث أرواحهم خلف جثث الرغبات المدفونة في سراديب العقل الباطن. يسخرون من العدم، والعدم يضحك عليهم بملء فيه، يترقب لحظة السقوط الكبير من فوق حبال أوهامهم المشدودة فوق فوهة بركانٍ خامد.

 

يغنون في جوقاتٍ جماعية لكي لا يسمعوا صراخ ضمائرهم المنفردة. الفرقة الناجية هي أكبر نكتةٍ سوداء في تاريخ هذا الوجود العبثي؛ يظنون أنهم في القارب الصحيح، بينما القارب نفسه مجرد سرابٍ في صحراء من الأسئلة التي لا تنتظر جواباً. يخشون الوقوع في الحيرة كما يخشى الأعمى الوقوع في بئر، وهم لا يدركون أن الحيرة هي الوحيدة التي تمنح العين حق رؤية الضوء.

 

يتسابقون نحو “الحقيقة المطلقة” بلهفةِ طفلٍ يطارد فراشةً من ورق، لا يدركون أنهم كلما اقتربوا، زادت حدة التمزق في أجنحتهم الهشة. إنهم لا يبحثون عن النجاة، بل عن مقعدٍ مريح في عربة القطار المتجه نحو “اللاشيء”، شريطة أن يجلسوا بجوار نافذةٍ تطل على وهمِ الخلود. يتحدثون عن الصراط بلسانٍ يقطر إدانةً للآخرين، بينما تمتد أيديهم تحت الطاولات لتسرق فتاتِ المسرات الصغيرة التي يحرمونها على غيرهم.

 

يصنعون لآلهتهم أزياءً من مخملِ أفكارهم، ويطرزونها بخيوطِ الخوف من المجهول. كلما زاد صراخهم بالحق، تأكدتُ أنهم يخفون خوفاً وجودياً يرتجف في أعماق عظامهم. النجاة بالنسبة لهم ليست عملاً بطولياً، بل هي خيانةٌ عظمى للذات؛ إنهم يبيعون حريتهم مقابل صكوك غفرانٍ مطبوعةٍ في مطابع القلق البشري. يرتعبون من الكلمة الحرة كما يرتعب الديكتاتور من صمت الجماهير، لأن الصمت، في حضرة الوعي، هو محاكمةٌ علنيةٌ لكل خزعبلاتهم.

 

يتباهون بكونهم “الناجين”، والنجاة في منطقهم هي البقاء في داخل القفص، مقتنعين أن الأسوار هي التي تحميهم من وحوش الغابة، بينما هم الوحوش التي تأكل بعضها البعض في حفل شايٍ دبلوماسي. يقتلون الفضول بحد السيف، ويذبحون الشك على مذبحِ التكرار، ثم يسجدون لآثار أقدام الذين سبقوهم إلى التيه، ظانين أنها خطواتُ أنبياء، بينما هي ليست سوى ندوبِ مشاةٍ أضاعت بوصلتها منذ القرون الأولى.

 

يحتكرون مفاتيح الغيب وكأنهم موظفو استقبال في فندقٍ مهجور، يوزعون تذاكر الخلاص حسب مقاساتِ جحيمهم الخاص. النجاة عندهم هي “الاستقالة من العقل”؛ حيث يضعون أدمغتهم في خزائن حديدية، ويخرجون للناس بوجوهٍ غسلتها رتابة التبعية. يقدسون السلاسل، لا لأنها قوية، بل لأنهم خائفون من برودة الفضاء الخارجي للحرية. يسخرون من التائهين، ولا يعلمون أن التيه هو المسار الوحيد الذي لم يلوثه حذاء أي ملقنٍ أو مدّعٍ.

 

يتفانون في بناء قلاع من “المُسلّمات” فوق رمالٍ متحركة، ثم يصرخون في وجه العواصف: “نحن هنا باقون!”. أي بقاءٍ هذا الذي يرتكز على إلغاء الآخر؟ إنهم يمارسون “النجاة” كرياضةٍ دموية، يقصون فيها كل ملامح الاختلاف ليصبحوا نسخةً كربونية من بعضهم البعض. يظنون أن التشابه دليلُ صحة، بينما هو في الحقيقة شهادةُ وفاةٍ جماعية لكل ما هو مبدعٌ وفريد.

 

يتنافسون في عرض ندوبهم التي أسموها “أوسمة الطاعة”، وكلما زاد النزيف في عقولهم، زاد اعتزازهم بالخنجر الذي طعنوا به ذواتهم. يخشون الأسئلة لأنها تعري عوراتِ منطقهم، ويطاردون “صانع السؤال” كأنه وباءٌ يهدد أمنهم المصطنع. الفرقة الناجية في جوهرها هي “جنازةٌ تمشي على قدمين”، ترفض دفن جثث أفكارها البالية خوفاً من أن تضطر إلى مواجهة حقيقة أنهم طوال عمرهم لم يكونوا إلا ظلالاً في عرضٍ مسرحيٍّ لا يشاهده أحد، سوى “إلهٍ” صنعوه على مقاس مخاوفهم ليكون الشاهد الوحيد على خيبتهم العظمى.

 

ليست “النجاة” في جوهرها حمايةً من الضياع، بل هي إعلانُ حربٍ على “الاحتمالات”. هؤلاء المتمسكون بحبل النجاة، يمارسون طقسياً تصفيةً عرقيةً لكل الأفكار التي لا تتكلم لغتهم، إنهم لا ينجون لأنهم على حق، بل ينجون لأنهم يملكون “السكين” الأكبر التي تقطع كل رأسٍ يجرؤ على أن ينظر إلى الأفق من زاويةٍ غير التي يملونها.

 

تتحول النجاة هنا إلى “مؤسسة استثمارية”؛ حيث يتم بيع الجنة كسلعةٍ في بورصةِ الخوف. يضعون أرقاماً متسلسلة على الأرواح، ويحتكرون “سلطة الحسم” في قضايا لا يملك العقل فيها إلا التواضع. إنهم يمارسون “ديكتاتورية الحقيقة”، حيث يصبح الشك خيانةً عظمى، وحيث يتم استبدال البحث عن “المعنى” بالبحث عن “القطيع الأكثر عدداً”.

 

لكن السخرية الحقيقية تكمن في هشاشتهم المطلقة؛ إنهم يرتجفون كلما هبت نسمة حقيقةٍ خارجة عن إطارهم، لأنهم يعرفون في قرارةِ أعماقهم -تلك المنطقة المظلمة التي يغلقون عليها بالضبة والمفتاح- أن إيمانهم ليس نابعاً من تجربةٍ أو وعي، بل هو مجرد “رد فعل” منعكس لمخاوف طفولية لم يجرؤوا على مواجهتها كرجال. إنهم لا يمشون على الصراط، بل يمشون على أصابع أقدامهم خوفاً من أن يوقظوا في أنفسهم إنساناً حقيقياً، يرفض أن يكون مجرد رقمٍ في قائمة “الناجين” الأغبياء.

 

توزعوا كأنهم بقايا سفينةٍ حطمتها غباءاتُ التاريخ، كلٌّ منهم يمسك بقطعةٍ خشبية صغيرة ويصرخ: “هنا يكمن الخلاص!”. لقد حولوا “النجاة” إلى شهادةِ ملكيةٍ حصرية، كأن السماء صارت شركةً مساهمةً مغلقة، أسهمُها مملوكةٌ فقط لأولئك الذين يحفظون تضاريس الطريق الموهوم، بينما يتركون البقية ليغرقوا في طوفانٍ من التأويلات التي لا تنتهي.

 

أين “النجاة” في أن يقتل المرءُ أخاه لأنه لم يصحح مخرج حرفٍ في دعائه؟ أين هي في تحويل النص الحيوي إلى “محنطةٍ” لغوية يتباهون برائحة عفنها؟ لقد صار الدينُ “ماركةً تجارية”؛ كل فرقةٍ تروج لبضاعتها بشعاراتٍ طنانة، وتلعن الماركات الأخرى بتهمة “الابتداع”. إنهم لا يتعبدون، هم يمارسون “الاحتكار الوجودي”، وكل واحد منهم يرى في وجه الآخر “عدوَّ الحقيقة” الذي يجب أن يزول، لكي تصفو الأرضُ لمنظوره الضيق.

 

السخريةُ المرة أنهم يتنافسون على لقب “الفرقة الناجية” وهم جميعاً في قاعِ بئرٍ عميق من التخلف، يتقاتلون على من يملك الحق في توزيعِ الأكسجين في الداخل، بينما الهواء في الخارج ملكٌ للجميع. إنهم يظنون أنهم حماةُ المقدسات، وهم في الحقيقة حفارو قبورِ الإنسانية؛ يحرقون حاضرَهم على مذبح الماضي، ويطالبون الآخرين بالتصفيقِ لنيرانهم. لا نجاةَ لمن يقضي حياته مشغولاً بفرزِ الناس إلى “ناجٍ” و”هالك”، فالحقيقةُ أكبر من أن تسكن في رأسِ أحدٍ، وأوسع من أن يحدها سياجُ مذهبٍ أو حدودُ فرقةٍ تظنُّ أن اللهَ قد أودعَ مفاتيحَ جنته في جيبِ زعيمها.

 

في نهايةِ هذه المهزلة، يكتشف “الناجون” أنهم لم يكونوا في سفينةٍ تعبر المحيط، بل كانوا يرقصون فوق حطامٍ خشبيٍّ قديم وسط بحرٍ من العدم. لقد استهلكوا أعمارهم في تصنيفِ أنفسهم وخصومهم، بينما كان الموت -ببروده المعهود- يطوف حولهم ساخراً، لا يفرق بين “ناجٍ” و”هالك”.

 

الخديعة الكبرى أن “الفرقة الناجية” هي الفرقة الوحيدة التي ماتت قبل أن تلمس قدماها شاطئ الحقيقة؛ ماتت لأنها توقفت عن السؤال، ماتت لأنها استبدلت “الدهشة” بـ “التعريفات”، واستبدلت “الحياة” بـ “الاستعداد للموت”. لقد نجوا من الحياة بامتياز، ووصلوا إلى العدمِ خاويي الوفاض، يحملون ألقابهم الدينية كأوسمةٍ على صدور جثثهم، دون أن يدركوا أن الله لا يسأل في محكمته عن “انتماء الفرقة”، بل عن “صدقِ الإنسان”.

 

ليست النجاة “جماعية”، ولا تخرج من رحمِ “فرقةٍ” تدعي الحقيقة. النجاة هي تلك اللحظة التي يخلع فيها الفردُ عباءةَ القطيع، ويقف عارياً تماماً أمام الوجود، ليقرر أن حيرته الشخصية أصدق من يقينِ الجماعة. نعم، لقد وصلنا إلى الحقيقة التي يخشونها: أن تكون فرداً تائهاً يبحث، خيرٌ ألف مرة من أن تكون جزءاً من فرقةٍ “ناجية” تسير مغمضة العينين نحو الهاوية.

 

لا نجاةَ إلا في “التفرد”، ولا حقيقةَ إلا في “الشك”، وما دون ذلك ليس إلا جعجعةً في فراغ.

 

ولعل الفرقة الوحيدة الناجية هي الفرقة الوطنية للفنون الشعبية