
كُوردية تستنيرُ كتاباتُها بمصباحِ اللُّغةِ العربيّة
كُوردية تستنيرُ كتاباتُها بمصباحِ اللُّغةِ العربيّة
كُورديّةٌ تعزفُ على أوتارِ اللغةِ العربيّة إذ تُودِعُ الكسرةَ في مواضعِ الانكسارِ حين يعتريها الأسى، وتُحكِمُ الشدّةَ حيثُ تستدعي الحاجةُ للاحتواءَ، وتسكبُ الضمّةَ على روحٍ تشتّتت فأوَتْ إلى مأوًى يؤويها، وتبسطُ الفتحةَ حين تُبصرُ الشمسَ تنبلجُ من أحضانِ الليل. فحين بدأتُ بالكتابة، كنتُ كمن يعزفُ على أوتارِ الموسيقى لأول مرةٍ بأحرفِ اللغةِ العربيّة؛ فكلُّ نوتةٍ تضعُكَ في موضعِها، وكلُّ المشاعرِ تتقلّبُ بين لحظةٍ وأخرى، وكلُّ الآلاتِ تُبدّلُ موازينَ الفكرِ وتشعلُ فيك نارَ الإبداع
كُورديّةُ الأصل، أكتبُ نوتاتٍ عربيّة، أبحثُ بين سلالمِ النجاحِ عن سبيلٍ يُفضي إلى جمالِ النصوصِ النثريّة والقصائدِ الفصيحة؛ فكانت رحلةُ البحثِ ثريّةً بعوائقِ الطريق، لكنّها زادتني قوّةً تسدُّ ثغرةَ جوعي حين يركلني الصمتُ كي أسقط
فأستنجدُ بالكتابةِ لأنجو، فكانت عكّازَ استقامتي حين أرادوا اقتلاعَ جذوري باليأس، فبقيتُ صامدةً كريحٍ عاتية. لكنّي، رغم ما ارتشفه اليأسُ منّي، ظلَّ صمودي قائمًا، وظللتُ أناضلُ حتى تحطّمت قيودُ اليأس، وتحوّل إلى نورٍ يُنيرُ كتاباتي
فعندما كنتُ أكتب، كنتُ أسعى لأن أُعطي الحرفَ حقَّه في الأناقةِ والرُّقي
منذ زمنٍ طويلٍ وأنا في دوّامةِ الكتابة، مرّت عليَّ سنواتٌ كنتُ فيها في فتورٍ دائم، وقلبي بالأشعارِ معلّقٌ كإرثٍ حضاريّ، كوطنٍ متجذّرٍ بأصولِه لا يرضخُ لحكمِ الجبابرة
بل كان عشقُ اللغةِ العربيّة يُهيمنُ على شعوري، كعاشقٍ مُتغلِّبٍ يرى في معشوقتِه أصولَ الوطنِ وقوانينًا لا تُستبدل
وكنتُ كمن يرى جمالَ اللغةِ العربيّة بعينِ شاعرٍ كُرديٍّ يبحثُ عن مفرداتِه لينتقي أبهى الكلمات، لا لتكونَ سطورًا تُكتبُ فحسب، بل صورًا شعريّةً تُخلَّدُ في الذاكرة. كنتُ أبحثُ دائمًا عن ذلك الحرفِ الذي يُزلزلُ كيانَ الآخرِ ويُعيدُ صياغةَ حساباتِه من جديد
كنتُ في صراعٍ دائمٍ وجدالٍ محتدمٍ بين قلبي الذي يعكسُ ملامحَ أحاسيسِه على الورق، وبين عقلي الذي يودُّ أن ينطقَ ويصوغَ أبهى العبارات، فلننجُ في عصرٍ تاهت فيه الحقيقة بين ضجيج الآراء.
لغةٌ عظَّمها اللهُ في القرآن، وعلى مَن وهبهُ اللهُ موهبةَ الكتابةِ أن يضعَها في موضعِها الحقّ، ويصونَها من سوءِ الصياغة
فمهما بلغتَ من ذروةٍ في إتقانِ نحوِ اللغةِ وأصولِها، فلن توفّيَ حقَّ جمالِ لغةِ القرآن
فبلاغةُ اللغةِ أن تُعطى حقَّها في التجلّي، كما جمّلَ اللهُ كلَّ حرفٍ في كتابِه، وعلى مسامعِنا يُتلى، فترتجفُ الروحُ قبلَ البدن أنا التي لم أرضخْ لضيقِ الوقتِ أن يسلبَ منّي أعزَّ ما وُهِبتُ، رغمَ كلِّ القيودِ المُسلَّطةِ في قوانينِ الحياة، بقيتُ مناضلةً كجنديٍّ يستنبتُ أصولَهُ في جذورِ الوطن، فيزهرُ بانتصارِه على أعدائِه، ويسقي نفسَهُ مرارةَ البعدِ عن أحبّتِه، ويرتشفُ ماءَ الشوقِ دون أن يرتوي، كي يُدركَ أنَّ للوطنِ حقًّا علينا أن نسقيَهُ من جهدِنا ونضالِنا الأبديِّ له، فيزهرَ فينا كلُّ شيء، ونعودَ إلى مأوانا حاملينَ الوطنَ بين ذراعَينا منتصرين.
المهندسة ناز عدنان بوتاني / كركوك











