من كاريان سنطرال إلى ربيع قرطبة “المقامة المفتاحية” في حضرة أسد الشاشة المغربية

بقلم : طارق الأسمر

 

 

لا يمكن تأريخ الحركة الفنية والثقافية المغربية، بمسرحها وشاشتيها الصغيرة والكبيرة، دون التوقف ملياً عند قامة شامخة تماهى فيها الإبداع الخالص بالالتزام الإنساني النبيل حتى أضحيا وجهين لعملة واحدة. إنه الفنان القدير محمد مفتاح، الرجل الذي لم يكن التشخيص عنده مجرد مهنة أو ترف، بل رسالة وجودية صيغت بدموع البدايات القاسية وعرق الخشبات التي شهدت على صعود نجمه الشامخ.

 

وفي التفاتة نقدية وإبداعية باذخة، صاغ الإعلامي والكاتب والناقد ” حسن نرايس ” شهادة استثنائية غير مألوفة في حق هذا الهرم، بمناسبة تكريمه في مهرجان بنمسيك للمسرح الدولي الاحترافي.

 

ولم تكن هذه الشهادة تقريراً صحفياً عابراً، بل جاءت متوسلة ببلاغة المقامة التراثية العريقة لإعادة صياغة سيرة رجل حفر اسمه بـ “القوة الهادئة والهدوء القوي” في الوجدان المغربي والعربي.

 

إن لجوء ” حسن نرايس ” إلى استدعاء أبطال المقامات التقليدية كـ “عيسى بن هشام” و”أبي الفتح الإسكندري” و”أبي زيد السروجي”، يعد اختياراً فنياً ذكياً ينسجم تماماً مع الهوية الفنية والتاريخية التي يمثلها محمد مفتاح. وفيما يلي، ننشر نص الشهادة كاملاً وبأمانة تامة كما خطها قلم ” حسن نرايس ” …

 

محمد مفتاح

أو المقامة المفتاحية

 

حدثنا عيسى بن هشام، قال:

في غابر الأزمان، نزلت إلى كاريان سنطرال، لتحصيل الدرس من الحلقة التي هي مدرسة الواقع والسؤال. كان بمعيتي أبو الفتح الإسكندري، رجل الفصاحة، يدعوها فتجيبه، والبلاغة، يأمرها فتطيعه … أخبرني عن رجل مفتاح، وصاحب مقام … رجل نصيح إن شاورته، وفصيح إن حاورته. له فؤاد يخدمه اللسان، وبيان يركمه البيان. يحمل من الأسماء محمد مفتاح، ومن الألقاب، أسد الشاشة. رجل، له في الصنعة المسرحية نفاذ، بل هو فيها أستاذ.

وعن طفولته، يضيف أبو الفتح الإسكندري:

فقد الرجل والدته مقتولة وهو يحبو أمام البراكة لعبا بالدماء، وبحضور متظاهرين يشاهدون بألم العين ذلك المشهد التراجيدي اللعين … وكان أول جمهور له، وهو لم يرسم بعد خطواته الأولى، ولم تصله بعد لحظة الختان! يا إلهي، كيف سيكون مصير هذا الكتكوت البريء في ظل أجواء تزداد حرارتها بين العنف والدماء !؟

بزغ فجر الإستقلال، ومايزال الفتى يبحث عن وردة خلف بنيان من القصدير بروح مثخنة بالألم والأحزان … حزينا أطل … طموحا أطل على دار الشباب في الحي الذي في البال عنوان وعنفوان. إستقبلته الدار بالأحضان، وتنفس الصعداء حين تخطى بنجاح دوره الأول في مسرحية “كركور سيدنا الشيخ”، ومن هنا، إنطلق المسار بالحلم والإعلان… وهنا تعرف على بوفطايم والدمراوي وبومغرة وباخالق وجمرقان … هنا، عايش عن قرب بداية مجموعة ناس الغيوان الممنوعة من النسيان …

ويضيف أبو الفتح الإسكندري: ياقوم! لكل تشخيص رجال، ولكل مقام مقال، ولكل براكة سكان، ولكل زمن بديع زمان … قالوا عنه: لوحة زيتية بالأبيض والأسود آتية من بعد المكان. وقالوا عنه: قصيدة شعرية موزونة من البحر البسيط. وقالوا عنه: مسرحية تراجيكوميدية من إخراج زمن الأنشودة في الأذهان. وقالوا عنه: ملحمة بصفاء الألوان …

حكى عنه أبو زيد السروجي:

إنه يلجأ القول في معرض البيان ويدعو القول وبالسحر يكون الإفتتان… والمسرح عنده أنشودة في البال سحر وجمال وبهاء… في يوم، في شهر، في سنة، أديمها ذو لونين، وقمرها كتعويذ من لجين، دخل واثق الخطوة إلى عوالم خشبات المسرح أب الفنون، متقمصا مومو بوخرصة، مهاجرا إلى مدينة النحاس، مع المجدوب عبدالرحمان، لقراءة مقامات بديع الزمان من همدان …

فنان إنسان في جسد المسرح الولهان، إنسان ينسجم فيه الفنان، وفنان يندمج معه الإنسان … هو كما هو، تشبع بفهم الإنارة والملابس والتفنن في الديكورات … هو كما هو، لو لم يكن فنانا لكان فنانا … شامخ ببسَاطته، بسيط في شموخه، قادر على تأويل الشخصيات، وتلوين التمثيلات، وإبراز التمثلات، وتحليل القراءات … وكل هذا وذاك، بالقوة الهادئة والهدوء القوي …!

زدنا، زدنا علماً يا أبا الفتح الإسكندري!

محمد مفتاح، هنا والآن، مايزال الشباب والعنفوان، ومايزال صاحب القول الرنان وهو يحمل الفن في القلب والروح والوجدان … يحترمه الرجال والنساء وأهل الميدان … ساعد وساند الكثيرين قدر الإمكان، فهو فاعل للخير والإحسان. وحين يعود إلى الخشبة بعد زمن كاد يطول، حتى الفساتين التي أهمَلها، ترقص لعودته بالزغاريد والإمتنان. فالتشخيص عنده بالوزن والميزان حين تنضج الخشبة كورود بلعمان في حقل البستان … رجل ذو إحساس مرهف كأحاسيس المبدع الفنان. عاش بالتضحية والنكران داخل المقامات الحسان، على مرور الوقت والأزمان … حَمَل الرسالة إلى ملوك الطوائف بمعية صقر قريش منتشيا بربيع قرطبة بتألق المشخص الفنان .

قل لي يا أبا الفتح الإسكندري، ماذا أعطاه المسرح في بلاد يهدمون فيها البنيان؟!

الحكاية عذاب وبهتان، إغتالوا وقتلوا جوارح مسرح الإنسان، وبقي المفتاح مفتاحا لأبواب الضحك على تفاهة بني الإنسان، لم تطوح به جوارح الزمان، ولم يتناساه الجمهور صاحب الفضل والإحسان، رغم كيد بعض الكائدين من المسؤولين عن الميدان … لا، لن يقول أبدا، بعد مرور السنون والأعوام، بأنه كان يطارد خيط دخان … إحتفى به الإنسان والمكان، من نهر النيل إلى مابين الويدان، بعيدا عن كل شنآن … وله منا كل المحبة والود والتقدير والعرفان ….                                                     شهادة الصحفي و الكاتب و الناقد السينمائي ” حسن نرايس ” في حق الفنان القدير ” محمد مفتاح ” ضمن فعاليات مهرجان بنمسيك للمسرح الدولي الإحترافي …

 

 

حيث تأخذنا هذه “المقامة المفتاحية” في رحلة سيكولوجية وتاريخية عميقة تبدأ من الهامش، وتحديداً من أزقة “كاريان سنطرال” التاريخية بالدار البيضاء، حيث ولدت المأساة الفنية من رحم المقاومة والفقد الإنساني المروع. إن التفاتة ” حسن نرايس ” إلى تفاصيل مقتل والدة الفنان وهو ما يزال طفلاً يحبو، تلخص تلك العلاقة الجدلية بين الألم والولادة الإبداعية، فقد كان الدم المهدور هو المشهد التراجيدي الأول الذي عاينه، والمسرح الأول الذي نضجت فيه ملامحه وسط متظاهرين شكلوا أول جمهور له.

 

ومن وسط تلك البيوت القصديرية المثقلة بالأحزان والمحرومة من أبسط شروط العيش، انبثق طموح ” محمد مفتاح ” كعنقاء ترفض الرماد، ليكون الملاذ الآمن هو دار الشباب بالحي المحفوف بالعنفوان. ومن مسرحية “كركور سيدنا الشيخ” انطلق قطار الحلم والإعلان، ليعايش الفنان عن قرب قامات فنية باسقة، ويوثق انطلاقة فرقة “ناس الغيوان” التاريخية الممنوعة من النسيان.

 

وفي الشق الإبداعي الخالص، يوفق ” حسن نرايس ” في رسم الملامح الأدائية لأسد الشاشة؛ فهو قصيدة موزونة من البحر البسيط، يجمع بين القوة الهادئة والهدوء القوي، مستحضراً محطات ذهبية من مساره المغربي المتميز عبر تقمصه لشخصيات خالدة مثل “مومو بوخرصة” و”المجدوب عبد الرحمان”، ومشيراً ببراعة أدبية إلى تألقه العربي الاستثنائي في روائع الدراما التاريخية السورية برفقة المخرج الراحل حاتم علي والكاتب وليد سيف في ثلاثية الأندلس الشهيرة (صقر قريش، ربيع قرطبة، ملوك الطوائف).

 

وإذ تنهي الشهادة بالوقوف عند الملمح الإنساني لمحمد مفتاح كفاعل للخير والإحسان، فإنها توجه مع الكاتب ذلك العتاب المرير والمنطقي لواقع ثقافي قد يشوبه الجحود وكيد الكائدين. لكن، وكما خلصت الشهادة ببلاغتها الآسرة، يظل “المفتاح” عصياً على الانكسار أو النسيان، شامخاً ببسَاطته، وبسيطاً في شموخه، ومحتفىً به بحب جارف يمتد “من نهر النيل إلى ما بين الويدان”.