
الصداقةُ الحقيقية بين الاختبارِ والتقوى
د. محمد عبد العزيز
السودان
ليست الصداقة في جوهرها تلك الألفة العابرة التي تنشأ من توافقٍ في المزاج، أو اشتراكٍ في المصلحة، ولا هي مجرّد تقاربٍ تفرضه الظروف ثم ينقضي بانقضائها؛ بل هي ميثاقٌ خفيّ، لا تُكتَب بنوده، ولا تُعلن شروطه، ولكنه يُمتحن في المواقف، ويُوزن في الخفاء، وتتكشّف حقيقته حين تتعرّى النفوس من الزينة، وتُردّ إلى معدنها الأول.
إن الصداقة الحقيقية لا تُعرف في أوقات الصفاء وحدها، بل تُعرف على وجه أصدق في أزمنة الاختبار؛ حين تضيق السبل، وتشتدّ الحاجة، ويغيب ما كان يُزيّن العلاقة من مظاهر. هناك، لا يبقى إلا الجوهر: إما وفاءٌ يصمد، أو علاقةٌ تنكشف عن فراغها.
وليس الاختبار هنا حدثًا عارضًا، بل هو سنّةٌ ملازمة لكل علاقةٍ إنسانية؛ لأنه لا يُظهر ما في النفس شيءٌ كما تُظهره الشدائد. فقد يجتمع الناس طويلًا، ويتبادلون الودّ، ولكنهم لا يعرفون حقيقة بعضهم إلا حين تتبدّل الأحوال، ويُطلب منهم ما لم يكونوا يظنّون أنهم سيُطلبون إليه.
وفي هذا المعنى، تكون الصداقة امتحانًا للضمير قبل أن تكون صلةً بين شخصين؛ إذ لا يثبت فيها إلا من كان وفيًّا في غيبته، كما هو صادقٌ في حضوره، ومن كان يرى في صديقه أمانةً لا عبئًا، وحقًا لا تفضّلًا.
غير أن الاختبار على شدّته لا يكفي وحده لتأسيس الصداقة، بل لا بدّ له من سندٍ أعمق، هو التقوى؛ تلك الرقابة الباطنة التي تجعل الإنسان أمينًا حيث لا رقيب، وصادقًا حيث لا حساب. فالصديق الذي يقوم على التقوى، لا يحتاج إلى تذكيرٍ بالوفاء، ولا إلى دعوةٍ للصدق، لأن هذه القيم تسكنه قبل أن يُطالب بها.
والتقوى في هذا المقام ليست مظهرًا يُرى، ولا قولًا يُتداول، بل هي ميزانٌ خفيّ، يضبط العلاقة من الداخل؛ فلا يُقدم صاحبها على خيانةٍ، ولو خفيت، ولا يُقصّر في حقٍّ، ولو سُتر. ومن هنا، كانت الصداقة التي تقوم على التقوى أبقى، لأنها لا تعتمد على الظرف، بل على المبدأ، ولا تتغيّر بتغيّر الأحوال، لأنها متّصلةٌ بما هو أثبت من الأحوال.
وما أكثر ما يخطئ الناس حين يظنّون أن الصداقة تُقاس بما يُقال فيها من عبارات الودّ، أو بما يُظهره الطرفان من تقارب؛ إذ قد تُخفي الكلمات ما لا تُخفيه المواقف، وقد يُظهر القرب ما لا يُثبته الزمن. وليس أدلّ على ذلك من علاقاتٍ بدت متينةً في ظاهرها، ثم انهارت عند أول امتحان، لأن ما كان يجمعها لم يكن أعمق من المصلحة، ولا أثبت من الهوى.
أما الصداقة التي تمتحنها الشدائد وتُزكّيها التقوى، فهي تلك التي إذا اهتزّت، لم تنكسر، وإذا ضعفت، لم تنهَر، لأنها لا تقوم على رغبةٍ عابرة، بل على إدراكٍ عميق لقيمة الإنسان في حياة أخيه. إنها علاقةٌ يرى فيها المرء امتدادًا لضميره، وصوتًا آخر لوجدانه، لا ظلًّا لمصلحته.
ومن هنا، كان أسمى ما في هذه الصداقة أنها تُطهّر النفس قبل أن تُعينها؛ فهي لا تكتفي بأن تقف إلى جانبك، بل تُذكّرك بما يجب أن تكون عليه، ولا تكتفي بأن تُواسيك، بل تُقوّمك إن اعوججت، وتردّك إلى نفسك إن تاهت. فهي بهذا تربيةٌ بقدر ما هي مؤانسة، وارتقاءٌ بقدر ما هي مرافقة.
وهكذا، لا تكون الصداقة الحقيقية لقاءً بين شخصين فحسب، بل التقاءً بين قيمتين: الاختبار الذي يكشف، والتقوى التي تُثبّت. فإذا اجتمعا، استقامت العلاقة، وارتفعت عن تقلبات الزمن، وصارت في معناها الأسمى ضربًا من الوفاء الذي لا يتبدّل، والعهد الذي لا يُنقض. وفي هذا الاجتماع لا في كثرة العلاقات يكمن سموّ الصداقة.









