
الصمتُ أحيانًا أصدقُ من الكلام
د. محمد عبد العزيز
السودان
ليس الصمت كما يراه العاجلون في الحكم عجزًا عن البيان، ولا هو خلوٌّ من الفكرة، ولا فراغٌ في النفس؛ بل هو، في كثيرٍ من أحواله، امتلاءٌ يبلغ من الكثافة حدًّا يعجز معه اللفظ عن أن يُحيط به، أو يُؤدّيه كما ينبغي. فليس كلّ ما يُقال يُعبَّر عنه بالكلام، ولا كلّ ما يُحسّ يُترجَم إلى حروف، لأن بين الشعور واللغة مسافةً لا تُقطع دائمًا.
إن الإنسان يتكلّم حين يملك العبارة، ويسكت حين تملكه الفكرة. وفي هذه المفارقة سرٌّ دقيق؛ إذ قد يكون القول أيسر من الصمت، لأن القول يُفرّغ، أما الصمت فيحتفظ، والاحتفاظ أثقل من الإفاضة. ومن هنا كان الصمت في مواضعه أصدق، لأنه لا يُضيف إلى الحقيقة، ولا يُنقص منها، بل يتركها على صفائها الأول.
وما أكثر ما يُسيء الكلام إلى المعاني حين يُستعجل، أو يُتكلّف، أو يُراد به ما ليس فيه! فكم من كلمةٍ أُريد بها الخير، فخرجت مشوّهة، وكم من عبارةٍ قُصد بها التوضيح، فزادت الأمر غموضًا، وكم من حديثٍ طال، حتى فقد معناه في طوله. وليس ذلك لأن اللغة قاصرة، بل لأن النفس حين تضطرب تُلقي على اللغة من اضطرابها، فتجيء الكلمات مرآةً لما في الداخل من تشتّت.
وفي مقابل ذلك، يأتي الصمت كأنه استراحةُ المعنى من ضجيج التعبير، وكأنه فسحةٌ تُتاح للفكرة لتستوي على مهل، بعيدًا عن ضغط اللفظ، وعجلة البيان. ففي الصمت، تتّضح أشياء كانت تختلط، وتظهر حقائق كانت تُحجب، لا لأننا بحثنا عنها، بل لأننا كففنا عن تشويشها.
وليس الصمت موقفًا واحدًا، بل هو مراتب؛ فقد يكون حكمةً حين يكون القول ضررًا، وقد يكون قوةً حين يكون الكلام ضعفًا، وقد يكون أدبًا حين يكون الحديث اقتحامًا لما لا ينبغي اقتحامه. فليس من البلاغة أن يُقال كل شيء، ولا من الصدق أن يُصرَّح بكل ما في النفس، لأن الصدق في بعض الأحيان يكون في الكتمان، كما يكون في البيان.
على أن الصمت إذا أُسيء فهمه انقلب إلى نقيضه؛ فقد يُتّخذ ذريعةً للهروب، أو ستارًا للتردّد، أو حيلةً لتجنّب المواجهة. وهنا يفقد معناه، لأنه لا يعود تعبيرًا عن امتلاء، بل علامةً على فراغ. والفرق بين الصمتين وإن تشابها في الظاهر عظيمٌ في الجوهر: هذا صمتُ القادر، وذاك صمتُ العاجز.
وما أدقّ المواقف التي يُختبر فيها الإنسان بين أن يتكلّم أو يسكت! فهي ليست مواقفَ يُحتكم فيها إلى قاعدةٍ عامة، بل إلى حسٍّ مرهف، يزن الكلمة بميزانها، ويقدّر أثرها قبل أن تُقال. فقد يكون الصمت ظلمًا إن كان في موضع نصرة، وقد يكون الكلام اعتداءً إن كان في موضع ستر. ومن هنا، كان الاختيار بينهما ضربًا من الفقه بالنفس والناس معًا.
ولعلّ أصدق ما يُكشف به عن قيمة الصمت، تلك اللحظات التي يعجز فيها الإنسان عن التعبير، لا لفقرٍ في اللغة، بل لغنىً في الشعور؛ كحزنٍ عميقٍ لا تُجدي معه الكلمات، أو فرحٍ صادقٍ يتجاوز حدود الوصف، أو موقفٍ إنسانيٍّ تُغني فيه النظرة عن العبارة. في هذه اللحظات، يصبح الصمت لغةً قائمةً بذاتها، تُفهم بلا ترجمة، وتُحسّ بلا تفسير.
وهكذا، لا يكون الصمت نقصًا في البيان، بل قد يكون كماله؛ ولا يكون غيابًا للكلام، بل حضورًا لمعنى أعمق؛ ولا يكون انسحابًا من الموقف، بل ارتقاءً به إلى مستوى لا تبلغه الكلمات.
وفي هذا الارتقاء لا في كثرة القول يكمن صدق التعبير.










