صخب السنبلة» للشاعر عمار مرياش ديوان ظل أربعة عقود في ظلال الانتظار.

كتاب:

 

«صخب السنبلة» للشاعر عمار مرياش

ديوان ظل أربعة عقود في ظلال الانتظار.

 

مصطفى بوغازي/الجزائر

 

يمثل ديوان «صخب السنبلة» للشاعر عمار مرياش (منشورات رومنس القرن 21) تجربة شعرية استثنائية تختزل رحلة عمر وحكاية كتاب ظل يتخلق في ظلال الانتظار لأكثر من أربعة عقود؛ إذ يضم قصائد كُتبت في عنفوان الشباب بين سن التاسعة عشرة والثانية والعشرين، ورغم تتويجها بالجواهر والجوائز الأولى في منافسات وأعمال إعلامية وثقافية كمجلة «الوحدة»، إلا أنها لم ترَ النور حينها، وعاشت مخاضات متتالية من العناوين والوعود بالنشر منتصف الثمانينيات مع عثمان تزغارت تحت عنوان «دعيني أهشم رأسي على صخرة»، ثم بخط يدوي أنيق للشاعر عز الدين ميهوبي تحت عنوان «الجواهر»، ثم مع الطاهر وطار بالجاحظية بداية التسعينيات تحت عنوان «الأرض»؛ ليتأجل صدورها حتى استقرت أخيرًا، وكأن شيطان الشعر العابث—الذي أخطأ الطريق يومًا وأوصل بيتًا شعريًا لصديقه الشاعر عياش يحياوي قبل أن يعوده بفرح طفولي—قد استقر به المقام ليقتبس الشاعر عنوانًا كان سيكتبه القاص عبد العزيز غرمول، مدركًا أن الفن قضية جماعية معقدة، وأن هذه القصائد كزيت الزيتون المعتق يزداد روعة مع الزمن لتستحق اليوم عنوان «صخب السنبلة». وفي هذا الديوان، يمتزج صخب الأسئلة الذاتية والوجع الوطني والتوق إلى الانعتاق والجمال في قالب يجمع بين أصالة القصيدة الخليلية وشجن شعر التفعيلة الفتيّ، مستحضرًا بيئة الجزائر وتاريخها بلغة مصفاة تُراوح بين الغنائية العالية والرمزية المترعة بالإيحاء. وتتنوع أغراض الكتاب لتعبر عن وجدان صادق يتداخل فيه عشق الوطن مع صور الأيقونة الأنثوية؛ إذ يغدو البلد في قصيدة «السفينة» رحيق الكواكب وعيون امرأة تتسلل عبر الحواس حين يقول: “فَإِذَا سَأَلُونِي عَنْ امْرَأَةٍ أَكْتُبُ الشِّعْرَ عَنْهَا / أَقُولُ لَهُمْ بَلَدِي / بَلَدِي يَا رَحِيقَ الْكَوَاكِبِ”، في حين تنسكب نبرة الحزن الرثائي والغربة في قصيدة «شواطئ الألم» لتسائل غلق الأبواب ومكابدات العيش في قوله: “مِنْ أَيْنَ ندْخُلُ وَالْأَبْوَابُ مُوصَدَةٌ / وَالْأَرْضُ هَارِبَةٌ مِنَّا لمَا فِيهَا”، فضلاً عن استدعائه لرموز التراث والتاريخ كقصة النبي أيوب والذئب والحمامة لصياغة تأملاته الوجودية حول الصبر والمكابدة. وتتجلى في ثنايا هذه الأغراض صور شعرية مكثفة تعتمد على التشخيص ومفارقات التضاد الاستعاري كقوله: “فَمَا الْحَيَاةُ سِوَى دَقَّات أَفْئِدَةٍ / تَمْشِي عَلَى الشَّوكِ وَالْأَزْهَارُ تُؤْذِيهَا”، حيث تتنفس عناصر الطبيعة وتكتسب السنابل والأرض حراكًا إنسانيًا، يتناغم مع إيقاع موسيقي عذب يتنقل بمرونة بين أصالة البحور الخليلية وحرية التفعيلة؛ ليكون هذا العمل بوحًا يجمع رقة العاطفة وصفاء الكلمة، وياخذ القارئ في رحلة ممتعة تشد الأذان وتلامس الروح في أعماق التجربة الشعرية الجزائرية المعاصرة.

رفعت للتصميم