
خيال الحقل
خيال الحقل
طائِرَةٌ وَرَقِيَّةٌ
تَقومُ وَتَسقُطُ
رَبَطَ الأَطفالُ خَيْطَها في حَجَرٍ
وَلَمْ يَرجِعوا مَرَّةً أُخرى.
أَنا خَيالُ الحَقْلِ
أَقِفُ مَعَ النّاسِ وَتَحسَبُني وَحدي
فَمي حَجَرٌ يَبتَسِمُ
وَعِظامي نَباتِيَّةٌ
بَقايا فُروعٍ وَأَغصانٍ مَكشوطَةِ البَراعِمِ
عَبَروا عَلى جُروحِها بِمِكواةٍ
كَي لا تَحِنَّ إِلى أَصلِها وَتورِقَ.
مُستَقيمٌ وَلا مَفاصِلَ لي
لا غَفلَةَ، لا اِنحِناءَ
أَفرُدُ الذِّراعَينِ
وَأُعانِقُ كُلَّ شَيءٍ بِمَحَبَّةٍ صافِيَةٍ.
خَيالٌ مَربوطٌ بِذاتِهِ
وَكُلُّ ما يَظهَرُ مِنّي
لا يُعَبِّرُ عَن حَقيقَتي.
تَحسَبُني جامِدًا وَأَنا أَنزِلُ وَأَقومُ
كُلَّما نَزَلتُ رَفَعتُ نَجمَةً مِنَ التُّرابِ
وَكُلَّما قُمتُ أَمسَكتُ زَهرَةً مِنَ السَّماءِ.
أَنا الطِّفلُ الَّذي نَزَلَ إِلى الدُّنيا بِنُدوبٍ وَتَجاعيدَ
الشَّيخُ الَّذي يَعيشُ طُفولَةً مُتَأَخِّرَةً
دونَ أَن يُعانيَ مِن آلامِ العِظامِ.
خَشِنٌ وَبِدائِيٌّ
لَكِنَّ روحي مُزدَهِرَةٌ
أَحرُسُ الطَّبيعَةَ مِن نَفسِها
وَلا أَسمَحُ بِعَلاماتٍ تِجارِيَّةٍ فَوقَ جَسَدي.
بَيتي واسِعٌ وَلا يُرَحِّبُ إِلّا بِالواقِفينَ
الوُقوفُ رَقصَتي وَمَشاويري.
أُشبِهُ رايَةً
لِأَنَّني أُحارِبُ المَناقيرَ
الَّتي تُفسِدُ الثِّمارَ.
أُشبِهُ قُبَّةً
لِأَنَّ وَلِيًّا مَجهولًا
ينام تَحتَ جِلبابي المَشروكِ.
أَنا خَيالُ الحَقْلِ
أَذوبُ في الجَميعِ
وَأَقِفُ وَحدي
أَفهَمُ النَّباتاتِ وَالحَيَواناتِ
وَلا أَفهَمُ الذين جعلوا خُطُواتهم
أَسرَع مِن دَقّاتِ قُلوبِهِم.
رِئَةُ الدُّنيا تَنفَجِرُ
لَو وَقَفَ العالَمُ لَحظَةً عَلى ساقٍ واحِدَةٍ
لَو فَرَدَ ذِراعَيهِ وَابتَسَمَ
لَو عانَقَ كُلَّ شَيءٍ بِمَحَبَّةٍ صافِيَةٍ.
العالَمُ شَوكَةٌ في قَدَمي
وَلا طَريقَ إِلى نَزعِها
إِلّا مِن فَمي.
ساقي الوَحيدَةُ
طَويلَةٌ وَطَيِّبَةٌ
لَم تَرفُس آدَمِيًّا
لَم تَركُل حَصاةً في طَريقٍ
لَم تَسحَق عُلبَةً فارِغَةً
لا دَورَ لَها في ضَوضاءِ الدُّنيا
مَولودَةٌ في شَرَكٍ
وَحينَ تَجُرُّ سَلاسِلَها قَليلًا
تَسمَعُها الكائِناتُ وَلا يَسمَعُها البَشَرُ.
أُعاني مِن شَغَفِ السّاقِ الأُخرى
السّاقِ الَّتي لا تُبصِرونَها لِفَرطِ رِقَّتِها
السّاقِ الَّتي تَنامُ عِندَها الوُحوشُ
السّاقِ الَّتي تَعرِفُها العَصافيرُ
فَتَحسَبُني آدَمِيًّا وَتَخافُ.
حَلمتُ بِحَياةٍ مِن دَمٍ وَلَحمٍ
لَكِنَّ الدُّنيا حَبَسَتني في خَيالٍ
صَرخَتي رَصاصَةٌ
لا تَسمَعُها إِلّا عُيونُ الطُّيورِ.
حُروفي تُطَقطِقُ في العَدَمِ
كَما يُطَقطِقُ المِلحُ
فَوقَ قَلبي المُلتَهِبِ.
جاءوا بِالمَساميرِ
وَدَقّوا حُفرَةً في قَدَمي
خُطُواتي كَثيرَةٌ
عاشَت وَماتَت في النُّقطَةِ الأُولى.
شاعِرٌ يَشيخُ في بِداياتِهِ
مِثلَ طائِرَةٍ وَرَقِيَّةٍ
رَبَطَ الأَطفالُ خَيطَها في حَجَرٍ
وَرَحَلوا إِلى سَنَواتٍ بَعيدَةٍ
فتحي عبد السميع
من مجموعة شعرية تحت الطبع بعنوان “العقرب وهو يجري”
رفعت للتصميم












