حين تخون المؤسسة رسالتها

بقلم ابتهال عبد الوهاب

ليست الحضارات في جوهرها قصورا شاهقة، ولا طرقا ممهده، ولا مدنا ممتلئه بالإسمنت والحجر وإنما هي قبل كل شيء منظومة من القيم، تتجسد في مؤسسات تحفظ الحقيقة من العبث، وتصون المعرفة من الابتذال، وتحرس الضمير الجمعي من أن يضل طريقه.

و ليست الكتب مجرد أوراق مصفوفة بين غلافين، وإنما هي الذاكرة التي تكتب بها الأمم سيرتها، والضمير الذي يحرس مستقبلها من الانزلاق إلى العدم. وحين تنشر مؤسسة ثقافية كتابا فإنها لا تمنح صاحبه حق الظهور فحسب، بل تمنحه شهادة ضمنية بأن هذا العمل قد اجتاز حدا أدنى من الأمانة الفكرية والقيمة المعرفية. لذلك، فإن خطأ المؤسسة في هذا المجال لا يكون خطأ إداريا عابرا، بل خللا يصيب الثقة العامة في صميمها، ويهز أحد أهم الأسس التي يقوم عليها البناء الثقافي

إن القضية المثاره هذه الأيام. في وجهه نظري لا تتعلق بكتاب مسروق فحسب، ولا باسم مؤلف مهما كان موقعه أو نفوذه، وإنما تتعلق بسؤال أكثر خطورة: من يحرس حراس المعرفة؟

ومن يراجع الذين يفترض أنهم يراجعون؟

فالمؤسسات الثقافية لم تنشأ لتكون مطابع رسمية تمنح الشرعية لكل ما يصل إليها، وإنما لتكون بوابات للوعي، لا يعبر منها إلا ما يستحق أن يبقى في ذاكرة الثقافة.

قد يغتفر لبعض دور النشر التجارية أن تنجرف وراء حسابات السوق، وأن تجعل المبيعات معيارا يتقدم على القيمة،فتغلب حسابات الربح على معايير الجودة، وتستبدل القيمة الفكرية ببريق الأسماء أو بما يطلبه المزاج العام

وإن كان ذلك لا يبرر فعلها أخلاقيا. لكن الكارثة الحقيقية تبدأ عندما تتخلى المؤسسات الوطنية، التي تمولها أموال المواطنين، عن رسالتها التاريخية، وتتعامل مع النشر بوصفه إجراء روتينيا لا مسؤولية معرفية. فهذه المؤسسات لا تملك رفاهية الخطأ لأنها لا تمثل نفسها، بل تمثل الدولة وثقافتها وضميرها الحضاري.

المؤسسة الثقافية الوطنية لا تملك هذا العذر؛ لأنها لا تتاجر بالكتب، بل تؤتمن على الوعي. وما ينشر باسمها لا يصبح كتابا فحسب، بل يصبح وثيقة تمنحها الدولة ختما من الثقة، وكأنها تقول للقارئ: هذا العمل جدير بأن يدخل مكتبتك وعقلك.

إن الهيئة التي صنعت عبر عقود طويلة ذاكرة القراءة العربية ونشرت أعمال كبار المفكرين والأدباء،

واقصد هنا الهيئة العامة للكتاب

. كل كتاب يخرج من مؤسسة عريقة كهذه المؤسسة يحمل معه تاريخها كله، ويحمل رصيد الثقة الذي صنعه أجيال من العلماء والمفكرين والمحررين. فإذا مر عمل هزيل، أو منتحل، أو لم يخضع لمراجعة جادة، فإن الضرر لا يقع على سمعة الكتاب وحده، بل يمتد إلى المؤسسة نفسها، لأنها تكون قد تخلت، ولو للحظة، عن رسالتها الأولى: حماية المعرفة.

إصلاح هذه الأزمة لا يبدأ بمعاقبة فرد بعينه، وإنما بإعادة الاعتبار إلى منظومة التحكيم العلمي والمراجعة الدقيقة، وإخضاع جميع الأعمال، مهما كان أصحابها، للمعايير نفسها دون مجاملة أو استثناء. فالثقافة التي تُدار بالمكانة الاجتماعية لا بالكفاءة، تتحول تدريجيا إلى مؤسسة لإنتاج الوهم، لا لصناعة المعرفة

لا يجوز أن تتحول إلى منصة تمنح المشروعية لنصوص لم تخضع للفحص العلمي والأخلاقي

وليس المطلوب اليوم أن نبحث عن مذنب نعلقه على مشجب الواقعة، بل أن نعيد بناء منظومة تجعل تكرار هذه الأخطاء مستحيلا. فالثقافة ليست أرشيفا من الكتب، بل منظومة من القيم، وإذا انهارت القيم، فلن تنقذنا كثرة الإصدارات، ولن تشفع لنا رفوف المكتبات

ولعل ما نحتاج إليه اليوم ليس فقط لجانا أكثر دقة، بل فلسفة جديدة لإدارة الثقافة، تعيد الاعتبار إلى الكفاءة قبل المجاملة، وإلى القيمة قبل الشهرة، وإلى الحقيقة قبل النفوذ