
“علّميها”
“علّميها”
“عليكِ أن تُعلّميها كيف تلتفُّ على القصبة…
كنّا من قبل نلفّها على أغصانٍ نحتفظ بها ، ونحن نشذّبُ الأشجار ”
قالها لي “حميد”أحلى جار …
كم يشبه “حميد”جدّي …لم أسمعهما يومََا يشتمان…
هو جارنا ،من أقرب النّاس إلينا من جهّة أمّي …
كانت والدتي لا تُفرّقُه عنّا…
وما يزال يتردّد علينا ويساعدنا…
يأتي الصّيفُ يُهجِّرُنا الحرُّ بقيظه وغيظه ، فنتقل إلى بيت الجبل …
ماذا نرى في الجلال ؟الأرض وارفة بخُيلاء …
يتمايلُ الاخضرار ، يتلوّى فتهتزّ الأوراق تتمايل ترقصُ والنّسائم…
لا!… لا تصدّقُ عيناي كم تنمو على يده الشّتول…
يزرع لنا كلّ أنواع الخضارِ الصّيفيّة…
وقد تعوّدنا أن نكون بيتََا واحدًا …
حفيدي وهو صغيرٌ يُناديه : “عمّو حميد تفضّل لتشرب القهوة ”
نحتسيها في الجُنينة ، أقتلع الحشائش وهو يسقي …
يومَا بعد يوم ،يُخربشُ التّراب أصابعي ، وتزدادُ كلماتي حنينَا للأرض…
حميد صقلت تعبَه الحياةُ ، فتجوهر…
مَن ينظر إليه ،النّور يُضيء من عينيه السّماويّتين اللّامعتين بالفرح…
ووجهُه يتوهّج بالنّعمة…
تعلّمت منه الكثير عن فنّ الزّراعة، لكنّني لم أكن أعرف أنَّ اللوبياءَ تحتاجُ لأناملَ مُحِبَّةٍ ، تُداريها كالأطفال ، تمسك الطّرود بخشيةٍ…
وتعلّمُها كيف تلتفّ على القصبة …
تحبُّ اللُّبياءُ أن تمتدَّ أفقيَّا وليس عمودياً …
قد ندوسُها أو نقطعُها ونحن نقطفُ لاحِقَا الأقراطَ المتدلّية بجمالٍ مدهش للعيان…
لم أكن أعرف كم يمضي من وقتٍ كي تنمو بقوامها الفتّان
حتّى جاء دوري لأتمرّس على تعليمها…
ما أسعدنا عندما نعطي من ذاتنا للأرضِ، ويدفق الخيرُ…
إنّه عرفان الجميل المكلّل بالوفاء للطّبيعة…
الوفاء أوّلُ دروس الأرضِ ،قد لا يسعدُ في اتّقانها إلّا المتعمّقين بفلسفة البساطة!…
لم يُقصّرْ جارنا المُحبّ يومََا في تلبية نداء الأرض ، لكنّ يداه لم تعد تطاوعانه …
وهذه السّنة انشغلتُ في بيت السّاحل وتأخّرت على اللّوبياء…
حتّى النّبات تربيتُه في الصّغر أجدى وأكثر نفعاً …
تشابكتِ الشّتولُ ببعضها ، مَن ينظر إليها ويتخيّل المشهد…
يظنُّ ذاته بين “أجمامِ” العلّيق في “حيرونا” …
والفرق :لن تجرحَنا منها الأشواك…
بل نحن نجرحُ نموَّها وسعادتَها في شربِ الماء والتّمتّعِ قريبََا من التّراب،مع رفيقاتِها ،ببهجة الرّفقة والجيرة…
كأنّها قطعانٌ من أوراقٍ خضراء آمنة لا أفواه لها ،بل جذورُها ترعى ذرّاتِ وجودها…
يسهل على القلوب الطّيّبة النّقيّة أن تفطن لدروس الطّبيعة والعلم ،
فتزدادُ تلك القلوبُ صفاءََ وحكمةََ …
فنتيقّن أنّ المرء النّاجحَ ،مهما تعمّق بالعلم، يبقى لا يعرف إلّا نقطة في خطوط المعرفة …
نقطةٌ ! …لا تكتمل مهما تطوّرَ البشر …
أمّا دروس الحياة فنرسبُ فيها إن عشنا في بيئةٍ :النّاس فيها لا تشبهنا بالضّمير والأخلاق ، وبالتّربية والصّفات الحميدة…
غريبٌ أمرُ الإنسان يتركُ كلّ شيءٍ…وما يصنعُه باقٍ …
سبحةُ “حميد”الّتي زرَّدَها من أغصانِ الجوزةٍ اليابسة، وهذه الكلمات باقية …
إنّها تشهدُ أنّنا كنّا هنا…
ونكون قد حفرنا اسمَنا بأعمالنا…
يا ربّي !…أشكرك على نِعمِكَ الكثيرة…
أنت وحدك الكمال ، واللّانهائي!…
الحسناء٢٠٢٦/٧/١٣
(القصّة حقيقيّة…)












