ابن رشد: الفيلسوف الذي أشعل ثورة العقل في أوروبا

كتب سالم يفوت

في القرن الثاني عشر الميلادي، كانت أوروبا تعيش تحت وطأة هيمنة اللاهوت الكنسي الذي يضع قيوداً صارمة على التفكير الحر. المعرفة في تلك الحقبة كانت محتكرة داخل جدران الأديرة، والعقل لا يتحرك إلا في المساحات التي يسمح بها الإيمان. لكن، ومن مفارقات التاريخ، جاءت الشرارة التي أوقدت ثورة العقل الأوروبي من جنوب إسبانيا، وتحديداً من كتابات قاضٍ وفيلسوف مسلم من قرطبة: ابن رشد.

 

كان دخول الفلسفة اليونانية إلى أوروبا زلزالاً معرفياً تم عبر حركة ترجمة نشطة تركزت في مدينة طليطلة. هناك، نُقلت شروح ابن رشد لأعمال أرسطو من العربية إلى اللاتينية. لم يكتفِ ابن رشد بنقل نصوص المعلم الأول، بل قدمها نقية، مجردة من الشوائب الأفلاطونية والتلفيقات اللاهوتية التي أضافها فلاسفة سابقون. لقد قدّم ابن رشد لأوروبا نموذجاً للعقلانية الصارمة التي تبحث في الطبيعة والميتافيزيقا دون أن تضطر لتطويع استنتاجاتها لخدمة العقائد الدينية بشكل قسري.

 

تلقف المفكرون الأوروبيون في جامعة باريس، وفي مقدمتهم “سيجر دي برابانت”، شروح ابن رشد بشغف هائل. تشكل تيار عُرف تاريخياً بـ “الرشدية اللاتينية”. أدرك هؤلاء المفكرون من خلال ابن رشد أن الفلسفة يمكن أن تكون كياناً مستقلاً يمتلك أدواته البرهانية الخاصة، وأن العقل البشري قادر على الوصول إلى الحقيقة الكونية دون الحاجة إلى وصاية اللاهوت. هذا الاستقلال كان بمثابة إعلان تحرير للعقل الأوروبي؛ حيث تم الفصل لأول مرة بين مسار البحث الفلسفي القائم على المنطق، ومسار الإيمان القائم على الوحي.

 

إلا أن هذا المد العقلاني الرشدي لم يمر بسلام. فقد استشعرت الكنيسة الكاثوليكية وتيار الأوغسطينية المحافظ خطراً داهماً يهدد أسس العقيدة المسيحية، خاصة فيما يتعلق بقضايا خلود النفس وقدم العالم. انبرى مفكرون كبار مثل القديس توماس الأكويني وأستاذه ألبرت الكبير للتصدي لهذا التيار. جادل الأكويني بأن العقل لا يمكن أن يكون مستقلاً تماماً ومناقضاً للوحي، بل يجب أن يكون “خادماً للاهوت” (Ancilla theologiae). وفي عامي 1270 و1277، أصدر أسقف باريس “إيتيان تومبييه” قرارات تحريم شهيرة شملت عشرات القضايا الرشدية، وتم قمع التيار الرشدي وطرد رموزه.

 

رغم قرارات المنع والتحريم الكنسي، فإن البذور الرشدية التي زُرعت في عقول اللاتين لم تمت. لقد كسر ابن رشد احتكار اللاهوت للمعرفة، ومهد الطريق أمام استقلالية الفكر العلمي والفلسفي، ليكون بذلك أحد أهم الروافد الخفية التي مهدت لعصر النهضة الأوروبية.