
التطورات الجديدة للذكاء الاصطناعي: قراءة انتربولوجية
التطورات الجديدة للذكاء الاصطناعي: قراءة انتربولوجية
ا.د حمام محمد
جامعة الجلفة..الجزائر
هل يصنع الذكاء الاصطناعي المعنى الثقافي؟ قراءة في الغيرية والعقل الرقمي
هل يستطيع غيرُنا أن يصنعَ معنىً ثقافيًّا؟ إنّ “الغيريّة” التي نقصدها هنا تتمثّل في العقل الرقمي، أو ما يمكن تسميته بالعقل “الذِّمّي” على طريقة أطروحات الجيل الرقمي.
يحمل هذا السؤال في طيّاته إشارةً إلى أحدث التقنيات التي توصّل إليها عالم الذكاء الاصطناعي، والمتمثّلة في قدراته على الإنشاء والتوليد، بل وحتى المحاكاة الواقعية للأفكار. إذ لم يعد مستحيلًا أن يُنتج الذكاء الاصطناعي فكرةً جديدة، سواء أكانت مستلهمةً أم غير مستلهمة؛ والمهم أنّها قد تبتعد عن واقعنا الإدراكي إلى درجة نظنّ معها أنّها قائمة في عالمٍ آخر، بينما هي –في الحقيقة– قد تكون ممكنة الوجود، غير أنّ الحيلة الرقمية، والدراسة السيكولوجية للسؤال الذي يتلقّاه الخادم (Server)، هي التي تجعله لا يُبرزها في صورةٍ مطابقة لما هو موجود سابقًا.
وهذا بعينه ما يمكن أن نسمّيه “الاشتغال الذكي” الذي يُمارسه الذكاء الاصطناعي، أو لعلّه قد مارسه فعلًا في مجالاتٍ أخرى. غير أنّ الفكرة الحاوية هنا تفرض علينا ألّا نؤمن بأنّ الذكاء الاصطناعي مُنتِجٌ للقدرة في ذاته، بل هو طريقةٌ لإنتاج قدرةٍ يراها الإنسان –في نسخته الأصلية– إبداعًا. فهو يُعينك على ذلك دون وعيٍ مباشر منك، لأنّه مرتبطٌ بهندسة السؤال ونظامه.
ولا أذهب بعيدًا إذا شبّهتُ ذلك بما يجري في المخابر العلمية التي تتعامل بالمعادلات الكيميائية؛ فالخلط بين المركّبات، إن لم يكن قائمًا على أساسٍ علميٍّ مُجرَّب، فلن يُؤتي ثماره خارج ذلك الإطار. وكذلك الأمر هنا؛ إذ يتعلّق بهندسةٍ سابقة، وإلّا سقطنا في دائرة سؤال: أيّهما أسبق، البيضة أم الدجاجة؟ وتلك هي إحدى عقد الذكاء الاصطناعي.
لقد أثبتت التطوّرات الأخيرة أنّ الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على إنتاج الفكرة من “مصدرها الأصلي” الظاهري، أي أنّها تُشبه طلائع الأفكار البشرية، ويمكنه تحديد المعايير المُثبِتة لقيمتها. وإذا ما تمّ الإيمان بهذا الطرح، فإنّنا سنشهد اعتقادًا جديدًا بأفكارٍ غرائبية يسمعها الإنسان لأوّل مرّة، وهي –في حقيقتها– إنتاجٌ توليديٌّ متقدّم للذكاء الاصطناعي، لا غير.
وفي هذا السياق، يرى آلان تورينغ أنّ السؤال الحقيقي ليس: “هل تفكّر الآلة؟” بل: “هل يمكن تمييز تفكيرها عن تفكير الإنسان؟”، وهو ما يعزّز الإشكال الذي نطرحه حول إنتاج المعنى. كما يؤكّد جون مكارثي، مؤسّس مصطلح الذكاء الاصطناعي، أنّ هذه الأنظمة “تحاكي جوانب من الذكاء البشري دون أن تمتلك وعيه”، وهو ما يضع حدودًا فلسفية لقدرتها على إنتاج معنى ثقافي أصيل.
ومن جهةٍ أخرى، يشير يوشوا بنجيو إلى أنّ النماذج التوليدية “تتعلّم الأنماط ولا تفهم المعنى بالضرورة”، بينما يرى جيفري هينتون أنّ هذه الأنظمة قد تُنتج مخرجات مدهشة، لكنها تظلّ قائمة على ترابطات إحصائية لا على تجربة إنسانية حيّة.
بناءً على ذلك، يمكن القول إنّ الذكاء الاصطناعي لا يصنع المعنى الثقافي بالمعنى الإنساني العميق، بل يُعيد تشكيله، ويُعيد تركيبه، ويُقدّمه في صورةٍ قد تبدو جديدة، لكنها قائمة على مخزونٍ سابق. وهنا يكمن التحدّي الحقيقي: هل نحن أمام “إبداعٍ جديد”، أم أمام “إعادة تدوير ذكيّة للمعنى”؟
إنّ الإجابة عن هذا السؤال تظلّ مفتوحة، لكنها تؤكّد أمرًا واحدًا: الإنسان لا يزال، إلى الآن، مركزَ إنتاج المعنى، حتى وإن استعان بآلةٍ تُحاكيه.











