
محاولةٌ أولى لتأسيس قراءةٍ شاقوليةٍ للخطاب السردي …
محاولةٌ أولى لتأسيس قراءةٍ شاقوليةٍ للخطاب السردي:
من الداخل إلى العمق في “متنزه الغائبين” للقاص العراقي ميثم الخزرجي…
للناقد الجزائري … ا.د حمام محمد
المنهج الجديد في استقراء السلوكات الانتربولوجية في القص العربي …منتزه الغائبين انموذجا
– تشخيص الموت والفناء في منتزه الغائبين- –
تنطلق هذه القراءة من الداخل لا من السطح، باعتبار أنّ القضية محورية في فكر الكاتب ميثم الخزرجي وهو يصوّر لنا رؤيةً أنطولوجيةً للموت والمقبرة، وعلاقة السجال التي تربط بينهما، في حضور المعنيّين الذين أسماهم “الغائبين”.
في مشروع هذه النصوص. تعرّف هذه الرؤية، كما فسّرها الكاتب بحنكة أسلوبية لافتة للنظر، على مرحلةٍ – أشبه بدرسٍ فلسفيّ، إذ تصبّ في معينٍ خاصّ ينمّي العملية النقدية من داخل العمق؛ لأنّنا أفلتنا بنجاح من النظرة السطحية لسفاسف الأمور، ولم تعد النظرات الظاهرية تجد نفعًا في فهم الموضوعات الدسمة. وهي نفسها النظرة التي انتهى إليها الفكر النقدي التقليدي الذي يرى بمسمّيات الأشياء لا ببنيتها، الأمر الذي أفرز تحليلاتٍ خطابيةً رائدةً في زمنٍ مضى، لكنّ الجانب السائد عددًا وكثرةً حوّلها إلى رثائياتٍ أو أطلالٍ لا يمكن النظر إليها الآن. وفي تقديرنا، كانت تلك هي الرؤية المثالية التي كان ينبغي إبراز مناقبها النقدية لا تركها للنسيان، أو الدخول إلى عالم السنن وإقامة الدليل على ذلك.وقد اتّبعتُ منهجًا مغايرًا لتحليل ظاهرة الموت في السرد القصصي العربي ولجأت الى توظيف هاته العتبات التي رايت انها ضرورية للكشف عن مكامن السرد القصصي وقدا لحقتها موضوعيا بالصيغة التالية :
• عتبه اتجاهات الخطاب:
نظر القاص إلى الموت كخطاب من واقع الحقيقة بوصفه ضربًا من التقليد الساري المفعول على الجميع، فهو ينتظر دائرة العموم بالنظر إلى تقاليده في مجتمعٍ مغلقٍ تألفه الناس، ولن يخرج آخر عن القاعدة. ومن غير الممكن أن يقول أحدهم إنّ الموت نعمة؛ لأنّ الوعي الجمعي لا يقرّ بذلك صراحة. وهنا يحضر قول ابن سينا: «الموت ليس عدمًا مطلقًا، بل انتقالٌ من حالٍ إلى حال»، وهو ما يلتقي مع تمثّل النص للموت باعتباره تحوّلًا لا انقطاعًا.
الموت في “متنزه الغائبين” لا يُقدَّم كخبرٍ أو نهاية، بل كفضاءٍ تأويليٍّ مفتوح؛ والحقيقة شاملة، لم يقم الكاتب بإعطاء تعريفٍ فلسفيٍّ جاهز، لأنّه ابن بيئته ويؤمن بما آمنوا به. فالموت يظهر فضاءً مفتوحًا لا نقاش فيه، ومنظر الجنائز هو الآخر أمرٌ غير جلل، لأنّه تقليدي، تصحبه بعض مظاهر التأسّي بالنسبة للأقرباء والأصدقاء. وهم – وإن حزنوا – واعون بأنّ النسيان نعمة، وأنّهم إن عادوا إلى فنائهم سيتولّون حياتهم دون توقّف. وهنا لا يتوقّف الموت بين حركةٍ وسكون، بل يتحوّل إلى إيقاعٍ خفيٍّ يتجاوز التصنيف. وكأنّ القاص يلمّح – كما ورد في “متنزه الغائبين” – إلى أنّ «المقبرة لا تصمت، بل تغيّر لغتها فقط»، وهو قولٌ يكشف عن تحوّل الدلالة من ظاهر الموت إلى عمق الاستمرار.
• عتبة اتجاه المستقبل
بالنسبة لاتجاه المستقبل، يظهر سباهي العظم في قوّةٍ مشتغلة، واضعًا للخطاب وقارئًا له وفنّانًا في الآن ذاته. فهو إنسانٌ عاديّ يحفر القبور ويقيم معظم وقته في فناء المقبرة، وبعد الحفر يستمرّ في العزف حتى صارت تلك العادة بمثابة فتحٍ عرفانيٍّ أزاحه من مستثمرة الهدم إلى مستثمرة ترقّب المستقبل وسط الأموات. فصارت الأمور عاديةً حتى تحوّل إلى مكوّنٍ عضويٍّ مكمّلٍ لكينونة المقبرة. وكأنّه – في وعيٍ خفي – يريد أن يتعالى بالفهم أوّلًا لحقيقة الأموات، وأنّه ليس كمثلهم؛ إذ ظلّ فوق التراب وهم تحته.
وقد نسمّي هذه الحالة جرأةً وجودية، أو تجاوزًا للفوبيا، أو تحوّلًا في معنى الموت ذاته. وإذا استمرّ عطاء سباهي بهذا الحجم، فإنّ الموت سيفقد معنىً تقليديًا ليصير دخولًا في “شبه موات”، وهو أملٌ للميت ما دام متّصلًا بالحياة عبر الذاكرة أو الفن. وقد اختار الكاتب لسباهي الموسيقى قضيةً محرّكةً لهذا التحوّل، فهو لم يأتِ من عالمٍ آخر، بل من “المتنزّه” نفسه، يعيش مثلهم ويصلّي مثلهم، غير أنّ أعماله لم تنقطع، بينما انقطعت أعمالهم. وهنا يتقاطع النص مع ما ذهب إليه أبو حامد الغزالي حين يرى أنّ «الإنسان يُبعث على ما مات عليه»، في إحالةٍ إلى استمرار الأثر بعد الفناء.
• عتبة الذكريات
إنّ أهمّ ما في السرد هو معرفة تحرّك الذكريات، لأنها موطن إنتاج المعنى. تتحرّك الذكريات في النص كحقلٍ جماعيّ، حيث تظهر المدينة وهي تفهم الموت بوصفه رعبًا، بينما يعيش سباهي هذه الذاكرة كتجربةٍ يومية. فيأتي العازف ليفكّك هذا المخزون ويعيد ترتيبه، فتتحوّل الذكرى إلى أداة صراع. وكما يوحي النص: «الذاكرة لا تحفظ الموت، بل تعيد تشكيله كلّما عزف الحزن لحنًا جديدًا»، وهي عبارة تكشف عن دينامية الذاكرة في تشكيل الوعي.
فالذاكرة الجماعية ترفض الموت وتتشاءم من ذكره، لكنّ حضور الحفّار العازف أدخلها في تناقضٍ بين كراهية الموت والتلطّف بالموسيقى، وكأنّه يزيّن لهم العزاء ليحوّله إلى لحظة تفاعل. وهنا تصبح الذكريات أداة لإعادة تشكيل الوعي، فيكسر العازف رهبة المقبرة، ويعيد إنتاجها بوصفها فضاءً قابلًا للتأويل.
• عتبة مشاهد الحركة
تعدّ الحركة داخل السياق القصصي عنصرًا بالغ الأهمية، إذ إنّ دراستها تفضي إلى فهم تنقّلات الشخوص. والحركة هنا ليست خارجية فحسب، بل داخلية أيضًا، تتمّ بين مشاعر المستقبل ودواخل الشخصيات. فالسكون يخيّم على القبور، لكنّ العازف يخترق هذا النظام، محدثًا صراعًا دلاليًا بين السكون والصوت. وهذا ما يذكّرنا بما اشتغل عليه الروائي الجزائري الطاهر وطار في “الشهداء يعودون هذا الأسبوع”، حيث يُبعث الموتى رمزيًا لإحياء الذاكرة، وهو ما يلمّح إليه اميثم الخظرجي بدلالةٍ رمزية.
• عتبة هوية الرسالة
إنّ تنميق الرسالة أو محوها طابعٌ يطال الساردين جميعًا، إذ يسعون إلى توظيف جمالياتٍ تُحدث القبول لدى المتلقّي. ورسالة الخزرجي تقوم على إدراكٍ تصوّريٍّ تخييليٍّ قريبٍ من أسئلة أرسطو ومنطق الجدل كما عند إخوان الصفا، حيث يغدو الوعي مؤشر











