
بيروت ….حرام هذا الغيم الأحمر
لست أكتب
أنا مثلك تماما يا بيروت
شيء ينزف فيّ ….على مهل
يُشبهك
يُخفي صراخه
في جيوب الدّخان ..
فالصّوت يُدان
ياربّ
ونحن نتدرّب على القهر
كما نتدرّب على الصّمت
والألم يُطيلُ إقامته فينا
دون أن يُرى
ليبقى سرّا أحمر
بيروت
يامن تبقّى من ذاكرة تحترق
كيف اتّسع صدرك
والدّمُ يَهمِي ؟
كيف صار البحرُ شاهدا أخرسَ
يحرُسُ تخوم الوجع؟
لا يغسِلُ الدّم
يُخبًئه في ملوحيّته
كَسِرٍّ قديم …
أنا من هنا
من جهة الياسمين
الّذي تعلّم الحداد
ومن هناك حيث يئنُّ الأرُزُّ
أمدُّ يدي نحوك
فتعودُ مُبلّلةً بالغياب
تهيمُ الأرواحُ في ملامحها
بوجوه رحلت قبل أوانها
لم تَرَ أثر الفجر
أهؤلاء شهداء؟
أم قلوب تمشي على الأرض
وتتركُ خلفها
صمتا مُدَويّا
يَروِي ما لا يُروَى
كانوا يُشبِهوننا
يُحبّون القهوة في الصّباح
يؤجّلون أحلامهم ليوم أقلَّ قسوة
ويعتقدون- مثلنا –
أنّ الغدَ قد يكون أفضل
لكنّ العدوَّ
ذلك الّذي لا يَرى في الورد
إلاّ غنيمةً تُستباح
ولا في الطّفل
إلاّ رقما يُمحَى
مًرَّ من هنا
وترك الأرض تتساءل
عن معنى أن تكون أرضا
يابيروت
أيّتها المتعبة من خيبات السّماء
من يُعلِّمُ حجارتك
أن لا تبكي حين تُلامسها الأمّهات ؟
من يُقنِع اللّيل
أنّ هذا السّواد ليس لك ؟
أنا لا أرثيك
أنا لا أرثيك
أنا أتشبّه بك
كما تتشبّه القصيدة
بما تبقّى لها من نجاة
في حضرة الصّمت
انت لم تغيبي
أنا أتنفّسك جرحا لا يلتئم
وكأنّ الفقد بقاء آخر
في بلادي اليوم أيضا
يُعلَّق الحزن على الأبواب
وتُفتح الذّاكرة
كجرح لا يُنسى أثره
نحن لا نختلف كثيرا يا بيروت
نحن أبناء هذا التّعب الطّويل
نحمل أوطاننا كما تُحمَلُ الصّلاة :
بخوف ..ورجاء
المجد لمن عبروا خفافا
وصار صمتهم صرخة
لمن تركوا أسماءهم
على جبين التّراب
كآية لا تًمحَى
المجد لهم
لا لأنّهم ماتوا
بل لأنّهم جعلوا الحياة
أكثر خجلا من نفسها
وأمّا أنا فسأظلّ أكتبك
كما تُكتبُ النّجاة
بدمع لا يُرى
وبقلب
كلّما انكسر
أنبت وطنا
الخزي لمن ظنّ
أنّ الأرض تؤخذُ بالقوّة
أنّ الشّجر لا يتذكّر
وأنّ الحجر لا يحفظ الوجوه
الخزي لأعداء الحياة
لأعداء حين يقفون أمام أمّ
لا يفقهون أنّ الكون كلّه
كان يسكن عينيها …
بيروت ..
يا وجعا صار لغتنا المشتركة
نامي قليلا
سنحرُس الحلم عنك
ونُكمل الحياة
حتّى يصحو العالم
إلى اسمه الأوّل
فيُدرك أنّ ما ضاع
هو الإنسان
منية نعيمة جلال
تونس
9 افريل 2026











