حروب الظلال الرقمية: كيف يُوظّف “التزييف العميق” لإسقاط الخصوم في مراحل التحول السياسي؟

بقلم: سلمى صوفاناتي

 

في مطلع العقد الرقمي الحالي، لم يعد السلاح الأكثر فتكاً في حلبات الصراع السياسي والفكري هو الرصاص الحي أو المقالات الناقدة، بل بات “الظل البصري” المصطنع. فحين تتسارع وتيرة التحولات الكبرى، وتتجدد على الطاولة ملفات إعادة هيكلة المؤسسات وقيادات المستقبل، تنشط في الكواليس ماكينات التضليل لإنتاج ما يُعرف بـ “التزييف العميق” (Deepfake). ولم يعد الهدف مجرد نشر شائعة عابرة، بل تنفيذ عملية “إعدام معنوي” متكاملة الأركان تستهدف الرموز الفكرية والأكاديمية، لقطع الطريق أمام أي دور محتمل لها في المشهد القادم.

حين تنطق الشاشات بالبهتان: سقطات التشريح الرقمي

لم يكن مقطع الفيديو الأخير الذي طال قامة أكاديمية وبرلمانية بحجم الدكتور محمد حبش سوى حلقة جديدة في مسلسل رخيص يستهدف تشويه الرموز. غير أن العين الصحفية الفاحصة، واليقظة العقلية المدققة، لا تلبث أن تفكك طلاسم هذا السحر الرقمي الرخيص بمجرد التأمل في التفاصيل؛ فانعدام التناغم التشريحي الواضح — كغياب الأذنين على جانبي الرأس — والتنافر في حركة البكسلات وخطوط الإضاءة الوهمية، كلها شواهد تقنية صارخة على هشاشة الافتراء. إنها فبركات مصنوعة بالذكاء الاصطناعي تفتقر لروح الحقيقة، وتفضح عجز الصانع عن محاكاة الاكتمال البشري الطبيعي.

سياق الصراع: لماذا يُستهدف أصحاب الفكر الإصلاحي؟

إن استهداف شخصية مثل الدكتور محمد حبش ليس وليد الصدفة، بل هو انعكاس طبيعي لطبيعة مسيرته التي تقاطعت مع محطات شائكة من الفكر الديني والسياسي. فالرجل الذي عُرف بمشاريعه الجريئة في “تجديد الخطاب الديني” ونقده للموروث، طالما واجه خصومات فكرية حادة؛ بدءاً من التيارات التقليدية التي رأت في أطروحاته مساساً بالثوابت، مروراً بمواقفه المعقدة خلال سنوات الأزمة السورية التي جعلته في مرمى نيران متقاطعة.

ولكن، لماذا يشتد السعار الرقمي ضده وضد أمثاله في هذا التوقيت بالذات؟

الإجابة تكمن في “خشية الصعود وإعادة التموضع”. فمراحل الانتقال السياسي وإعادة بناء المؤسسات تفتح الباب واسعاً أمام أسئلة الكفاءة والموقع. وإن أي احتمال لعودة شخصيات تمتلك رصيداً أكاديمياً وخبرة برلمانية وتوجهاً تنويرياً إلى الواجهة القيادية أو الاستشارية، يثير هلع الجهات المستفيدة من استمرار الجمود أو احتكار الخطاب. وحين تعجز تلك الجهات عن مقارعة الفكرة بالحجة، وتخاف من عودة هذه الكفاءات لصدارة المشهد، تلجأ إلى السلاح الأسهل والأكثر تدميراً: اغتيال الشخصية أخلاقياً.

استراتيجية “التشوه الاستباقي”

في حروب الوعي المعاصرة، يُعد التزييف العميق أداة “التشوه الاستباقي”. إنها طلقة تحذيرية رخيصة تهدف إلى إشغال الشخصية المستهدفة بالدفاع عن سمعتها الشخصية، وتأليب الرأي العام ضدها قبل أن تتمكن من تقديم أي إسهام وطني أو فكري في مرحلة إعادة البناء. إنها محاولة يائسة لترهيب كل الأقلام الحرة والعقول المستقلة، وإيصال رسالة واضحة مفادها أن الثمن القادم لأي دور محتمل هو الكرامة الشخصية والسمعة العامة.

حراسة الوعي: واجب الكلمة الحرة

إن مواجهة هذه الجرائم الرقمية لا تقتصر على مجرد إثبات الزيف التقني بالفيديو والصورة، بل تتعداه إلى تفكيك دوافع الجناة وكشف شبكات التضليل التي تقتات على الفضائح المصطنعة. إن براءة الدكتور محمد حبش تثبتها هشاشة التلفيق وتدعمها سيرة علمية وفكرية لا تنمحي بومضة شاشة عابرة.

وستظل الصحافة الاستقصائية الرصينة هي الحصن المنيع في وجه عتمة التزييف، حارسةً لوعي المجتمع، ورافضةً لأن تحل خوارزميات الكذب محل عدالة الحقيقة.

رفعت للتصميم