جسدنة التاريخ وتسريد الجسد في رواية شجرتان وقلب واحد 

جسدنة التاريخ وتسريد الجسد في رواية شجرتان وقلب واحد

أ.د زينب لوت تخصص نقد حديث ومعاصر.

 

تتكامل أبعاد القراءة النقدية في هذا النص المركّب لتشكل معمارًا نقدياً موحدًا يضيء تجربة «شجرتان وقلب واحد: السيرة التي لم ترو…» للكاتب مصطفى بوغازي، الصادرة عن دار خيال للنشر والترجمة، حيث يلتقي التفكيك البنيوي والسردي بالفلسفة الوجودية، والتحليل التاريخي والاجتماعي والانثروبولوجي، ليصوغ النص في النهاية بصفته صرخة إنسانية عابرة للجغرافيا والزمن.

 

​1. البعد التاريخي والسياسي: تفكيك المركزية الاستعمارية واستعادة المجهول

 

​لا تتعامل الرواية مع التاريخ بصفته مدونة حوادث مدونة ومحسومة، بل باعتباره مساحة منسية تُحاصرها السردية الرسمية للهيمنة الاستعمارية.

 

​من المحلية إلى الكونية: ترتبط محطة 8 ماي 1945 بقالمة ومجازر أفران الجير بنقطة التحول الكبرى في الوعي الجمعي؛ إذ يُطرح التاريخ الجزائري في الرواية متقاطعاً مع التاريخ العالمي: من معارك “مونتي كاسينو” في إيطاليا لمواجهة النازية إلى حروب الهند الصينية في “ديان بيان فو” بفيتنام.

 

​تفكيك ثنائية المنتصر والمهزوم: عبر ترحال الشخصيات بين أمكنة النزاع (القلعة، سجن الكدية، سان دوني، باريس، وسايغون)، تُعرّي الرواية الآلية الاستعمارية التي تجند المُستضعَف ضد المُستضعَف، وتُحول التاريخ الرسمي المكتوب بأيدي الساسة إلى وثيقة ادانة تسقط أمام شهادات الضحايا والشرفاء من أحرار العالم (أمثال فرانسيس جنسون، هنري علاق، وفرانس فانون).

 

​2. البعد الأنثروبولوجي: طقوس الهوية، تروما الجسد، والذاكرة الشفهية

 

​تتجلى الأنثروبولوجيا في النص بوصفها الحافظ الحقيقي لروح الجماعة ومأواها ضد محاولات التجريف الثقافي:

 

​أنثروبولوجيا الفضاء والرموز: تمثل “ربوة الطرفة”، و**”زاوية الناظور”**، ومجرى “وادي سيبوس”، وشجرة التينة، حوامل أنثروبولوجية ترتبط بقدسية الأرض والذاكرة الروحية الرحمانية. الطقوس الشعبية والأدعية، وخلع النعال على عتبات الزوايا، وفن التعافي بالتراب والعشاب، تشكل ترسانة بقاء حيوية تحفظ الذاكرة الجماعية أمام صدمات الموت العنيف.

 

​أنثروبولوجيا الجسد والعار: تشرح الرواية المفهوم الأنثروبولوجي للجسد في أوقات الحروب؛ حيث يُصبح جسد المرأة (زهرة) ميداناً رمزياً للحرب والتنكيل بالهوية الجمعية. الجريمة الاستعمارية لا تستهدف الإيذاء الجسدي الفردي فحسب، بل تُوظف الجسد لإنتاج شلل اجتماعي وعار ممتد. غير أن النص يمارس تفكيكاً أنثروبولوجياً لهذا العار، مُحولاً الضحية من كائن مستباح خائف إلى شاهد ومربٍّ للذاكرة النضالية.

 

​3. البعد الاجتماعي: التشظي الطبقي والمجتمع الرمادي

 

​يغوص البناء الاجتماعي في الرواية داخل الديناميكيات المائعة والطبقات المختلفة التي يُفرزها وضع المستعمر والمستعمر:

 

​المجتمع الرأسمالي الاستعماري مقابل مجتمع الأرض: توضح الرواية التمايز الاجتماعي والطبقي بين عالم المعمرين والأعيان (قصر دوفال ومزارع ميشيل دو بوستي) القائم على الشرف التقليدي والمكاسب المادية، وبين المجتمع الأهلي العصامي والمهاجرين الكادحين في ضواحي باريس (“سان دوني”).

 

​الشرخ في بنية العلاقات: تكشف الرواية عن التمزقات الاجتماعية الناجمة عن الخوف والترهيب، مثل بيئة السجن والتجسس المخترق للروابط الوطنية، ومأساة التصفية السياسية بين أبناء القضية الواحدة. وفي المقابل، تُقيم الرواية مجتمعاً أفقياً جديداً يُبنى على التضامن الإنساني العابر للطبقات والأعراق (الرابطة العاطفية والإنسانية بين زهرة ولونا، والتكافل بين العمال المهاجرين والشرفاء الفرنسيين في شبكة حاملي الحقائب).

 

​4. البعد الفلسفي والوجودي: الحرية، المسؤولية، والمنطقة الرمادية

 

​ترتقي الرواية بالحدث إلى التأمل الفلسفي الكوني مستندة إلى إرث الوجودية والفكر الحر (سيمون دي بوفوار، جان بول سارتر، وموريس بلانشو):

 

​فلسفة الحرية والمسؤولية الاخلاقية: الحرية في النص ليست مجرد غياب القيود المكانية، بل هي موقف وجودي يتخذه الإنسان داخل ذاته، كما يرى “صالح” من زنزانته في سجن الكدية: «الحرية هنا… في الصدر». القرار الأخلاقي الذي يتخذه الصحفي “باتريس” بالمخاطرة ودخول السجن لقول الحقيقة، أو خيار “لونا” بالوقوف مع المظلوم ضد بني جنسها، هو تجسيد للمقولة البوفوارية: «لا يولد المرء حراً، بل يصبح حراً».

 

​إلغاء النمذجة والتحرك في المنطقة الرمادية: تتجاوز الرواية ثنائية “البطل الخارق” و”الشر المطلق”. الشخوص ينطوون على هشاشات بشرية؛ فالضابط “هارفي” كائن معقد يقع في الجريمة تحت تأثير السكر والضعف، ليقضي بقية حياته في جحيم الشك والشعور بالذنب والمسؤولية الأخلاقية؛ والنقيب “روجيه” يواجه أزمة ضمير عسكري إنساني تجعله يتساءل عن مفهوم العدو. الرواية تجعل الفضيلة والشر مساحتين متداخلتين يتصارع فيهما الضمير البشري.

 

​5. الرؤية الموحدة: سيمفونية الشجرتين والقلب الواحد

 

​تتجلى الرؤية الموحدة للرواية في عنوانها الفلسفي «شجرتان وقلب واحد»:

 

الشجرتان هما الضفتان، الهويتان، أو الشعبان؛ والجذور الممتدة تحت التراب هي الإنسانية المشتركة التي لا تستطيع الحروب قطعها. أما “السيرة التي لم ترو…” فهي الانحياز الكامل والعميق للقصص المنسية في ظلال الفاجعة—سيرة النساء، الصامتين، المعذبين بالرهاب، وشرفاء العالم الذين اختاروا الحق والعدالة.

 

​بهذا الربط الشامل، تتكرس الرواية كصوت كوني للانسان يتجاوز الحدود والجغرافيا، ويؤكد أن الكرامة والحرية قيمتان لا تُجزآن، وأن الذاكرة الصادقة هي العاصم الوحيد للروح البشرية من الفناء

رفعت للتصميم