د. شيرين العدوي في مقالها بجريدة الأهرام تطرح مشروع الاقتصاد الرمادي

د. شيرين العدوي في مقالها بجريدة الأهرام تطرح مشروع الاقتصاد الرمادي

 

علاء حمدي

 

الشاعرة و الكاتبة الدكتورة شيرين العدوي في مقالها المنشور بجريدة الأهرام؛ فتقوم بتصحيح المصطلح الشهير “الاقتصاد الرمادي” الذي يُنصرف فيه الذهن عادةً إلى التجارة غير الرسمية أو التهرب الضريبي، يأتي في المقال بمدلوله التنموي الحديث: (Silver Economy) أو “اقتصاد كبار السن”.

​تطرح الكاتبة من خلال هذا المقال رؤية استراتيجية تتجاوز نظرة العطف والرعاية الاجتماعية الروتينية لفئة المسنين، لتصل إلى إعادة استثمار خبراتهم وقدراتهم في دورة الإنتاج القومي، مستندة في ذلك إلى تجارب وأبحاث علمية عالمية ومحلية.

​أولاً: تفكيك النظرة التقليدية للشيخوخة

​تبدأ د. شيرين العدوي طرحها برفض الفكرة السائدة التي تربط تقدم السن بالعجز أو نهاية العطاء. وتستند في مدخلها الفكري إلى رؤية عالمة النفس الأمريكية “لورا كارستنسن”، مديرة مركز ستانفورد لطول العمر، والتي ترى أن الشيخوخة ليست انحداراً بيلوجياً بقدر ما هي تراكم معرفي وانفعالي يحول كبار السن إلى مصدر حكمة وخبرة تحتاجها المجتمعات لإنقاذ نفسها.

​وتعزز الكاتبة هذا النموذج النظري بتجربة مصرية ملهمة تمثلت في الدكتورة “آمال إسماعيل” التي نالت درجة الدكتوراه في سن الثالثة والثمانين، لتبرهن على أن “الشيخوخة النشيطة” — وفق تعريف منظمة الصحة العالمية — تقوم على مثلث متكامل: الصحة، والمشاركة، والأمان.

​ثانياً: من الرعاية إلى التمكين (قراءة في الواقع المصري)

​تستعرض الكاتبة البنية التحتية المتوافرة بالفعل لدى الدولة المصرية، والمتمثلة في خدمات وزارة التضامن الاجتماعي (176 داراً للمسنين موزعة على 22 محافظة، و52 وحدة علاج طبيعي، و26 مركز تأهيل، فضلاً عن مبادرة رفيق المسن).

​وترى الكاتبة أن الأزمة لا تكمن في غياب الجهود، بل في امرين:

​تغافل الإعلام عن إبراز هذه الخدمات بالشكل الذي يعكس حجم العمل المبذول.

​الوقوف عند حدود “الاحتواء” بدلاً من الانطلاق نحو “الاستثمار”؛ حيث تعتبر المجتمعات المتقدمة قدرة كبار السن الشرائية والإنتاجية محركاً اقتصادياً ينبغي استغلاله بدلاً من تعامله كعبء على موازنة الدولة.

​ثالثاً: خطة عمل إجرائية من ثلاث خطوات

​لم يكتف المقال بتشخيص الأزمة، بل وضع خريطة طريق تنفيذية من ثلاث خطوات محددة تحول أندية المسنين إلى “مراكز إنتاج معرفي واقتصادي” لمن يرغب منهم في مواصلة العطاء:

​الربط الأكاديمي (الخطوة الأولى): إدخال الجامعات كطرف ثالث مع وزارتي التضامن والصحة، لتحويل أندية المسنين القائمة من مجرد مساحات للترفيه وقضاء الوقت إلى وحدات تعليم وتدريب على المهارات الرقمية والحرفية تحت إشراف أكاديمي.

​التسويق الرقمي (الخطوة الثانية): ربط هذه المراكز بمنصات تسويق إلكترونية تبيع المنتجات الحرفية والثقافية للمسنين تحت اسم الجامعة، وهو ما يحول الدعم الحكومي التقليدي إلى حاضنات أعمال صغيرة منتجة.

​اعتماد الخبرة (الخطوة الثالثة): إصدار “بطاقة الخبير المسن” رسمياً من الهيئة العامة لتعليم الكبار، والتي تتيح للحاصل عليها تقاضي أجر مقابل الورش والمحاضرات التي يقدمها للشباب والطلاب، بما يحقق عائداً اقتصادياً مباشراً ويعيد دمج خبرات الكبار في المجتمع.

​رابعاً: مؤشرات النجاح ومعايير القياس

​تكتمل الرؤية الاستراتيجية في المقال بوضع معايير واضحة لقياس كفاءة هذا المشروع، أبرزها:

​نسبة المسنين المنخرطين في “اقتصاد المعرفة” مقارنة بإجمالي المسجلين في الدور والأندية.

​العائد المالي الإجمالي المحقق من أنشطة الاقتصاد الرمادي.

​معدل تحول المسن خلال العام الواحد من صفة “متلقٍ للخدمة” إلى “مقدم للخبرة”.

​يقدم مقال د. شيرين العدوي معالجة واعية ومختلفة لقضية ديموغرافية واقتصادية مهمة. إن القيمة الحقيقية لهذا المقال تكمن في تحويل ملف المسنين من زاوية الإنفاق والخدمات الاجتماعية السلبية إلى زاوية الاستثمار الإيجابي في الخبرات التراكمية، مما يمنح كبار السن قيمتهم الحضارية المستحقة ويضيف رافداً جديداً للاقتصاد القومي

رفعت للتصميم