إذن…

سأبدأ من جديد ، كأنّ شيئا لم يكن.

سأعتبر ما مضى مجرّد تهويمات، أو هلوسات أثارها اضطراب مؤقّت في كيمياء الدّماغ، أو هو ربّما محضُ تخيلاتٍ عن حياة سابقة عاشها غريب غيري، لكنّه حتما ليس أنا!

 

سأبدأ من جديد،

فلديّ ما يكفي من العمر لأدبّر أمر حياة ثانية

من ألفها إلى يائها

ومن طفولتها إلى آخر ربيع فيها،

حياةٍ ثانية بلا ماضٕ،

وبلا ذكرياتٍ تتشبّث برأسي كالبراغيث

وتنتشر فيه كألغام موقوتة، لأتذكّر قول الشّاعرة The past is a dangerous place to revisit ”

ذكريات أجرّها خلفي كأذيالِ معطفٍ رثّ

مثقل بماء المطر ووحل الطّريق،

أحملها كجنديّ خسر الحرب

وظلّ مرغما أن يسحب ورائه حقيبة

تحمل أشلاء أصدقائه

ورصاصاته الألف التي أخفقت مرماها…

 

حتما،

سأدبّر أمر حياة ثانية،

بوجه لا يمكن أن تعرفه المرايا القديمة

وبجواز سفر بلا أختام…

سأغيّر اسمي وبصماتي وتوقيعي

وأغيّر خطّ يدي حتى تُضيّع رسائلي القديمة طريقها إلى عنوانيَ البريديً.

 

أحيانا يجب عليك أن تجتثّ جزءا من حياتك بأكمله حتّى تترك مساحة كافية لما تبقّى منها،

أن تستأصله بلا شفقة،

فالنّسيان وحده لا يكفي. إنّه لا يمحو الآثار، ولذلك يجب أن تهدم الطّريق بأسره.

 

لكن، إذا كنت مستعدّا أن تفقد ذاكرتك حتّى تمحو الذّكريات الموجعة، فهل يعني هذا أنّك أيضا مستعدّ لمحو الذّكريات الجميلة ؟

هل أنت مستعدّ لأن تمحو اللّحظة التي مشيت فيها خطوتك الأولى في الحياة،

أو حين رأيت الثّلج لأوّل مرّة،

أو يوم نودي باسمك في حفل تخرّج؟

هل يعني هذا أيضا أنّنا، في مجرى التّاريخ، على استعداد لأن نُحجم على الاستماع إلى كونشيرتوهات فيفالدي وباليهات تشايكوفسكي،

وأن نمحو من ذاكرتنا انتصارات حنبعل على الرّوم

والإغريق على الفرس

وعسكر المماليك على المغول؟

 

هذا هو الإنسان، أكبر دافع للإتاوات،

كائنٌ مسدّد للضّرائب بامتياز.

لم يحدث أن نال في ماضيه من المجد والسّعادة نصيبا إلاّ وقد دفع ثمنها أضعاف الأضعاف..

كلّما بسط يديه للحياة أدمتهما قبل أن تقطف من السّماء نجمة لتضعها في كفّه،

وكلّما رام في قلب المحيط لؤلؤة أذاقته الأمواج الويلات قبل أن تنبلج الأصداف عن قلبٍ من الضّوء

وسلاسل من المرجان…

هذا هو الإنسان

هو الطّريق المرتدّ على أعقابه

والسّهم المنكفئ على نصاله،

إنّه الشّيء وضدّه والصّيغة الوحيدة التي استطاع فيها نقيضان أن يحملا الاسم نفسه،

اسمي،

ذاك الذي إذ أقرّر الآن الاحتفاظ به،

أقرّر أيضاً أن أبدأ من جديد، وكأنّ كلّ شيء كان.

 

ميساء العرفاوي

رفعت للتصميم