حوض اليرموك: القضم الصامت وفرض الأمر الواقع

بقلم : سلمى صوفاناتي

 

مؤشرات الاختراق البري وأبعاد المقاربة الإسرائيلية الجديدة

مدخل: من “الردع الخشن” إلى “الاحتكاك المباشر”

شهدت الجبهة الجنوبية السورية تحولاً ديناميكياً لافتاً في الأيام القليلة الماضية، وتحديداً مع توغل قوة عسكرية تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي فجر الحادي عشر من حزيران الجاري في بلدتي معرية والعارضة بـعمق حوض اليرموك (ريف درعا الغربي). هذا التطور لا يمكن قراءته كحدث تكتيكي معزول، بل كـمؤشر إستراتيجي على انتقال تل أبيب من استراتيجية “الردع عن بُعد” (المعتمدة على الضربات الجوية وسلاح المسيرات) إلى سياسة “الاحتكاك البري المباشر” وفرض السيطرة الفيزيائية المؤقتة على الأرض.

أولاً: محددات السلوك الإسرائيلي والأهداف الإستراتيجية

تتحرك الآلة العسكرية الإسرائيلية في هذا القطاع وفق رؤية أمنية واضحة المعالم، تهدف إلى تحقيق ثلاثة أبعاد أساسية:

تخليق “حزام أمني مرن” (De Facto Buffer Zone): تسعى تل أبيب إلى فرض منطقة عازلة بحكم الأمر الواقع، لكن دون تبني خيار الاحتلال العسكري الثابت والعلني الذي قد يترتب عليه كلفة سياسية ودبلوماسية باهظة. إن تكتيك الارتال المتحركة (دخول، تفتيش، انسحاب) يمنحها مرونة الحركة دون التورط في نقاط تثبيت دائمة ومكشوفة.

استراتيجية “الإنكار المسبق” للتموضع:

الهدف الأساسي من إقامة حواجز التفتيش والتوغل في عمق القرى المحاذية للجولان هو قطع الطريق -استباقياً- أمام أي محاولات لـ”حزب الله” أو الفصائل الحليفة لإيران لبناء بنية تحتية عسكرية، أو اتخاذ التضاريس الوعرة لحوض اليرموك ومنحدراته كمراصد متقدمة أو منصات إطلاق.

الاستطلاع الاستخباري البشري:

التحقيق الميداني وتدقيق الهويات يعكسان رغبة في تحديث “بنك الأهداف” البشري والجغرافي، ومقاطعة البيانات الاستخبارية الجوية مع الواقع الديمغرافي والاجتماعي للقرى الحدودية لضمان خلوها من أي عناصر غريبة عن المنطقة.

ثانياً: الانعكاسات المحلية والضغط على الحاضنة الشعبية

على الصعيد المحلي، يتجاوز أثر هذه التوغلات البُعد العسكري ليتحول إلى أداة ضغط غير مباشرة على المجتمع المحلي:

حرب الاستنزاف الاقتصادية: إطلاق النار التحذيري واستهداف المزارعين في الأودية المحيطة ببلدة معرية يهدف إلى “تفريغ” المساحات المتاخمة للحدود حرصاً على خطوط رؤية مفتوحة (Line of Sight) لمنظومات المراقبة الإسرائيلية، مما يضرب عصب الاقتصاد الزراعي للمنطقة.

شلّ السيادة الخدمية: تزامن التوغل مع امتحانات شهادة التعليم الأساسي وعرقلة وصول الطلاب يبعث برسالة قاسية للأهالي مفادها أن الاستقرار اليومي بات رهناً بالهواجس الأمنية الإسرائيلية، مما يعمق حالة التوتر النفسي والاجتماعي.

ثالثاً: قراءة استشرافية ومآلات المشهد

بناءً على المعطيات الميدانية وحسابات الربح والخسارة للأطراف الفاعلة، يمكن استشراف السيناريوهات القادمة على النحو التالي:

ترجيح سيناريو “الاضطراب المنضبط”: من المرجح أن تحافظ الجبهة على وتيرة التوغلات الخاطفة وعمليات تجريف الأراضي الصامتة كروتين أمني وقائي للاحتلال. غياب الحشود الضخمة على الضفة الأخرى يشير إلى عدم وجود نية لـ”اجتياح شامل”، بل هي عملية قضم قسرية وبطيئة للمجال الحيوي الحدودي.

قواعد الاشتباك الصامتة لدمشق وحلفائها: في المقابل، يُتوقع أن يستمر النظام السوري وحلفاؤه في انتهاج سياسة “الاحتواء وضبط النفس” العسكري، والتركيز على الرصد الاستخباري؛ نظراً لأن الدخول في مواجهة مفتوحة واسعة النطاق في الجنوب في هذا التوقيت لا يخدم الحسابات الإقليمية الأوسع للأطراف الحليفة.

خلاصة تقدير الموقف: إن الجنوب السوري، وتحديداً حوض اليرموك، يخضع حالياً لعملية “إعادة صياغة أمنية صامتة” تقودها إسرائيل بشكل منفرد لفرض أمر واقع جديد يُلغي مفاعيل خطوط فض الاشتباك التقليدية، ويبقي المنطقة بأكملها في حالة استنفار فوق صفيح ساخن.